⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب عن المسألة: أولًا لنفهم معنى «خسيس المنزلة»؛ «خسيس المنزلة» هذا وصفٌ عَمِلَ إليه علماء الإباضية رضوان الله تعالى عليهم فيمن داوم مُصرًّا على ترك السنن المؤكدة، لا يطلقونه على من ترك عموم السنن والنوافل، وإنما أغلظوا على من يتعمد –مداومًا– ترك السنن المؤكدة.
إذًا أيضًا هذا الوصف لا بد أن يُفهَم من صنيع علمائنا بما ورد عندهم من قيود فيه؛ فقالوا: أن يكون ذلك على سبيل المداومة، وأن يكون –أو يُفهَم منهم، بل يصرحون بهذا– أن يكون معرضًا عن السنن المؤكدة، مداومًا على إعراضه ذلك، ولا عذر له في تركه لهذه السنن المؤكدة.
لكنهم قالوا: بأنه لا يستحق الولاية إن لم تسبق له ولاية، ولا يخرج منها إلى البراءة إن سبقت له ولاية؛ فهذا يعني أنها ليست من الأمور المهلكة، طالما أنه إن كان وليًّا فإنه لا يخرج من الولاية بهذا السبب، فإن هذا يعني أنهم لا يعدّونها من الأمور المهلكة؛ هذا التعبير اصطلاحي، ليس هو بتعبير شرعي، فقط للتشديد والإغلاظ على من يتعمد ترك السنن المؤكدة.
ولعلهم رأوا أن ذلك يكشف عن تنكره لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الثابتة المؤكدة، التي داوم عليها عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وهذا لا يفعله إلا من كان دنيءَ النفس، بعيدًا عن مراشد الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني تكون فيه رِقَّة في دينه، ولا يزكي نفسه، فيكون عُرضةً للوقوع في الشبهات، وليس له مدد إيماني يعينه على مواجهة شهوات الحياة الدنيا وأهواء نفسه، فيكون عرضة لذلك بسبب إعراضه، تركه للسنن المؤكدة.
يُقرِّب هذا الوصف مما يصنعه، مما صنعه أيضًا المحدثون في باب –يعني– الجرح والتعديل؛ تجد أوصافًا يكون وقعها شديدًا على القارئ أو السامع، لكنهم أرادوا تمحيص سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتجد مثل هذا أيضًا في باب القضاء، يعني حينما يتحدثون عن خوارم المروءة، فيصفون بعض الأعمال بأنها تخرم المروءة، فهذا يعني أن الواقع فيها أن مروءته قد انخرمت، وقد يغلظون أحيانًا ويردون شهادته بسبب ذلك؛ فهذه مصطلحات، هذه أوصاف اصطلاحية أحيانًا يَنْحُوها، يختارها الفقهاء، أحيانًا المحدثون، أحيانًا علماء الجرح والتعديل، أحيانًا في أبواب التزكية في الشهادات في القضاء، لكن لا ينبغي التوسع في استعمالها.
وإن كان السؤال: هل لها أصول يُرجَع إليها في السنة أو في الأدلة الشرعية؟ لا، هذا مجرد استحسان، وكما تقدم واضح من صنيع علمائنا أنهم ما قصدوا بهذا الوصف أن يكون مورِّثًا للعقاب في ذاته، ولذلك قالوا: فإنه إن تقدمت له ولاية فإنه لا يخرج منها لمجرد أنه خسيس المنزل بترك السنن المؤكدة؛ فهذا يعني أنه على ولايته، ولا يتولى إلا من كان صالحًا تقيًّا مرضيًّا في دينه وخُلُقه، والله تعالى أعلم.
الحديث –يعني– هذا حديث الأعرابي الذي سأل عن دين الله تبارك وتعالى، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عليه، ثم قال: التزم بها ولا أزيد عليها –بعض الروايات: «ولا أنقص منها»– فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق»؛ له توجيهات: قيل بأن الذي أخبره عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الفرائض التي شُرِعَت من أمر الدين، وقيل: لأنه جاء ليسأل عن الفرائض، وقيل: إنه –يعني– مراعاةً لأحواله إذ لا يتأتى منه إلا الحاصل.
الحاصل أن هناك توجيهات، لكن هذا لا يختلف عما تقدم من أن الذي اجتنب المحرمات والتزم الفرائض فإنه لا يمكن أن يُضَيَّق عليه، وأن يُثَرَّب ويُحرَج، لا سيما فيما يتعلق بالمال، لكن لا ينبغي للمسلم أن يكون خلُوًّا من الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، خصوصًا في السنن المؤكدة؛ فالسنن المؤكدة فيها –يعني– خير عظيم، ولذلك نجد أن الفقهاء اختلفوا في بعض السنن المؤكدة: هل هي واجبات، أو أنها سنن مؤكدة؟
فالبعض –مثلًا– خذ الوتر، تجد تعبير كثير من الفقهاء من مختلف المذاهب الإسلامية أنهم يعبرون بأنها واجب، ومنهم من يقول: هي سنة مؤكدة؛ فأن يبلغ ببعض السنن المؤكدة عند بعض العلماء أن تُعدَّ من الواجبات، هذا في حد ذاته كافٍ للمسلم أن يحرص على أداء هذه السنة.
وكذا الحال في سائر السنن المؤكدة، تجد خلافًا عند العلماء بين أن تكون واجبة أو أن تكون سننًا مؤكدة، ولا ريب أن هناك أُخْرى في سنن أخرى كما هو الحال في الأضحية –على سبيل المثال– وكما هو الحال في صدقة الفطر، وكما هو الحال في صلاة الأعياد، في صلاة العيدين.
فلنتصور أن مسلمًا لا يؤدي إلا الفرائض، هو مجتنب للمحرمات، ولا يقتصر إلا على الفرائض، فلا يشهد مع الناس أعيادهم –يعني– إن كان يُقلِّد من يرى بأن صدقة الفطر وأن صلاة العيدين، وأن هذه –ونس– يعني سنة المغرب وسنة الفجر والوتر، أن هذه ليست بسنن مؤكدة، أو أنه لا حرج عليه في تركها، لكن لا حرج عليه في تركها؛ هذا سيكون –يعني– يُخشى عليه، يعني سيورثه رِقَّة في دينه، وضعفًا في استقامته، وقد يكون عُرضة أن تَزِلَّ به القلم –نعم– أن يكون ذلك سببًا لأن تَزِلَّ به القدم، أو أن ينكص على عقبيه –عياذًا بالله– فهذا هو سبب التشديد.
لكن أيضًا ينبغي أن يُوضَع في إطارٍ لا يُبالَغ فيه، واضح؛ بمعنى لا يُمَكَّن الناس من الدخول في التصنيف، قضية التصنيف وغير ذلك، قد يستغل البعض مثل هذه المواقف.