⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما ربنا تبارك وتعالى فإنه يقول: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، نعم، وقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، نعم؛ فالتسريح لا بد أن يكون بإحسان.
وحينما تنتهي العلاقة الزوجية فإن كلا الطرفين مأموران ألا ينسيا الفضل الذي كان بينهما؛ فرغم ما يمكن أن يكون قد كدَّر الحياة الزوجية بينهما من مشكلات أو خصومات أو نزاعات، فإن الله تبارك وتعالى مع ذلك كله يقول: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، نعم، فينبغي لكل واحد منهما أن يذكر للآخر محاسنه، وأن يذكر ما تقدَّم منه من فضل عليه؛ فإن لم يكن شيء من ذلك أبدا، فلا أقل من كف الأذى، نعم.
فهنا انتهت العلاقة الزوجية، وصارت الحقوق بينهما قائمة على أساس حق المسلم على المسلم، رجلا كان أو امرأة، ومن حق المسلم على أخيه أن يكف أذاه عنه؛ «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فكيف إذا كانت بينهما ذرية، إذا كان لهما ولد، فإن الأصل في صلتهما ببعضهما أن ينظرا في مصلحة هؤلاء الأولاد، وأن يكون تواصلهما -إن احتاجا إلى ذلك- فيما يحقق مصلحة للأولاد.
إذ إن انتهاء العلاقة الزوجية لا تعني انتفاء أبوة الرجل المطلق لأولاده، كما لا تعني استئثار الأم -إن كان الأولاد في حضانتها- بحقوق الأولاد، وإنما العلاقة التي انتهت هي بين الزوجين فقط؛ أما أبوة الرجل فهي قائمة، له حقوق وعليه واجبات لأولاده، وكذلك المرأة فهي أم لها حقوقها وعليها واجباتها فيما بينها وبين الأولاد، وعليهما جميعا أن ينظرا فيما هو أصلح حالا وأحسن تربية وأجمل أدبا للأولاد بعد انتهاء العلاقة الزوجية بينهما بالفراق.
إذ إن الفراق لا يُراد منه أن يدخل الزوجان بعد فراقهما في طور آخر من المشاكسة والمنابذة والنزاع، نعم، بل إن الطلاق ما شرع إلا لإنهاء هذه الحالة: حالة عدم التوافق والانسجام، عدم استمرار الحياة الزوجية بينهما في مودة ورحمة وحسن عشرة؛ فمن لطف الشارع بنا، من لطف الله تبارك وتعالى بنا، أن شرع لنا الطلاق لإنهاء هذه الحالة التي تتنافى مع معاني الزواج، لا لندخل في طور آخر هو أشد وأسوأ مما كنا فيه، وإنما ليمضي كل واحد منا في سبيله، يمضي كل واحد من الزوجين بعد الفراق في حال سبيل، ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾، ففضل الله تبارك وتعالى واسع عظيم.
ولذلك ينبغي لنا أن نصحح فهمنا للطلاق ولإنهاء العلاقة الزوجية بأي نوع من أنواع الفراق؛ الأصل فيه أن يكون لتحقيق مصلحة للطرفين، وللخروج من حالة عدم التوافق وعدم الانسجام، وعدم حصول معاني الزواج من السكون والمودة والرحمة، إلى حالة أخرى جديدة تنتهي فيها هذه المساوئ والعيوب.
فإن كان الحال أن هذا الرجل يؤذي المرأة ويؤذي أولاده أيضا، فإن لم ينتصح فلتجتهد في نصحه عبر أوليائه وأهله، أو عبر الأولاد إن كانوا بالغين راشدين، فإن تأبَّى وامتنع فإن باب العدالة، باب القضاء، يسع الجميع.
والله تعالى أعلم.