⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فيقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥].
ومعنى الآية الكريمة وارد فيما يتعلق بالنصرة والموالاة، فهي المقصودة بالشفاعة هنا، فالأصل في الشفع والشفاعة ضم شيء إلى شيء، فمن ضم سعيه إلى آخر فإن كان في فعله حسنة كان له قدر وحظ من سعيه ذلك، وإن كان في فعله سيئة كان له قدر وحظ من ذلك أيضًا.
والآية الكريمة نزلت فيما يتعلق بنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجهاد في سبيل الله لإعلاء دين الله عز وجل ودحر كلمة المبطلين، لكن المعنى لا يقيّد بخصوص المناسبة، فإن المعنى يشمل كل ما يمكن أن يكون فيه نصرة للغير إن في الحق أو في الباطل، فإن الآية تقسم الشفاعة: منها ما هي شفاعة حسنة، وهذه تكون في الحق والخير والسعي والصلاح من أمور الدين والدنيا، مما يسع فيه أن يضم المرء سعيه إلى سعي غيره من إخوانه المؤمنين بذلًا للمعروف وعونًا لهم وتفريجًا لكروبهم ومساعدةً لهم وتحقيقًا لما أباحه الله تبارك وتعالى من مطالبهم، وإقامةً لدين الله تبارك وتعالى وإعلاءً لكلمته.
أو أن يكون السعي –عياذًا بالله– بضم الجهد إلى آخر في سعيٍ في فعلةٍ سيئة من الباطل، أو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، أو في الفساد والبغي في هذه الأرض، أو بمنع كلمة الله عز وجل ومنع الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فكل ذلك إنما هو من الشفاعة السيئة.
الآن لما ورد في سياق الحديث عن الشفاعة الحسنة: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، وفي سياق الحديث عن الشفاعة السيئة قال: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾، مع أن معنى الكلمتين متقارب جدًّا، فكلاهما يأتي بمعنى الحظ والنصيب والقدر، ووردا في كتاب الله عز وجل.
وأحسن ما بُيِّن به السبب البياني البلاغي في هذا السياق هو أن «النصيب» يأتي في الحظ مطلقًا، قليلًا كان أو كثيرًا، حظ السعيد، يأتي في الحظ مطلقًا قليلًا كان أو كثيرًا، أما «الكِفْل» فإنه يتضمّن غالبًا معنى المماثلة، ولذلك ناسب لما كان الحديث عن الشفاعة الحسنة أن يكون الذي ينال الشافع أو الشفيع نصيبٌ منها، ليشي بكثرة ما يضاعفه الله تبارك وتعالى لمن سعى سعيَ خيرٍ وأعان غيره.
وأما فيما يتعلق بالسيئة أو الشفاعة السيئة، فإن الذي يناسبها –مما يتفق أيضًا مع ما في كتاب الله عز وجل– هو أن يكون الجزاء مماثلًا للعمل، وهذا مبثوث في كتاب الله عز وجل: فلا يُجزى إلا مثلَها. هذا هو أفضل ما وُجِّهت به الآية الكريمة.
وإلا فقد قيل بأن «النصيب» يُستعمَل فيما هو خير وفي الأمور المستحسَنة، وأن «الكِفْل» يُستعمل فيما فيه ذم، وهذا غير صحيح؛ لأننا نجد في كتاب الله عز وجل قوله تبارك وتعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، وكذلك «النصيب» أيضًا: ﴿يُخَفَّفْ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ الْعَذَابِ﴾، فهذا لا يصلح لتفسير هذا التفاوت في استعمال «النصيب» و«الكِفْل»، وإنما هو ما ذكره عدد من حُذاق المفسرين: أن «الكِفْل» يعني المماثلة، يشتمل على المماثلة، يُستعمل غالبًا في المثل.
وهناك معنى آخر أيضًا لطيف ذكره بعض المفسرين: أن العرب كانت تقول: من ظلم فقد أقام كفيلًا بظلمه، فجاءت الآية بأبلغ ممّا كانت العرب تقوله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾، لتتضمّن الآية معنى «الكفيل»، أي أن الذي يأتي ظلمًا أو ينصر غيره أو يعين غيره في ظلم، فبسبب ظلمه كأنه يقيم بهذا الظلم كفيلًا عليه، وأن هذا الكفيل من ظلمه سيُسلِمُه في يومٍ من الأيام؛ كما أن الكفيل الذي يكفل غيره فعليه أن يسلّمه بدنًا، فإن هذا الظلم سيعود على صاحبه بأن يسلّمه إلى الحق وأن يُؤطِرَه أطرًا، فناسب ما لدى العرب من هذه المقولة، وإنما جاء بما هو لا شك أبلغ وأحسن بيانًا.
والله تعالى أعلم.