⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه المسألة أيضا مما بُحث فيه المفسرون كثيرا، وأطالوا فيه القول، وذكروا له وجوها، وأجد أن أفضل هذه الوجوه ما ذكره الإمام بدر الدين ابن جماعة في كتابه «كشف المعاني في بيان المثاني».
الحاصل أن الذي ذكره ابن جماعة عندي أجود ما في بيان سر هذا الاختلاف في هاتين الآيتين الكريمتين؛ فآية الأولى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾، ثم قال في الثانية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾.
المسألة الأولى هي التي سأل عنها السائل، والثانية –لابد أن نتعرض لها– في بيان معنى هذا الاختلاف، وهي في الفرق: في الأولى قال: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، وفي الثانية قال في آخرها: ﴿وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، هنا قال: لا يُقبل، وهنا قال: لا تنفعها.
خلاصة ما قاله: إن الآية الأولى المتقدمة في سورة البقرة: في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ الضمير هنا يعود إلى النفس الأولى؛ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ عن نفس شيئا، النفس الثانية هي النفس المطلوبة بجرم، النفس الأولى هي التي ستشفع، فقدم أن هذه الشفاعة لا تُقبل، قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ الحديث عن النفس الأولى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾؛ فإن لم تُقبل الشفاعة –لأن الشفيع عادة يشفع للمطلوب بأن يُعفى عنه– فإن لم تُقبل الشفاعة فإنه سيُعرض حينئذ الفدية، ولذلك قال: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ بعد أن قال: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، أي: هذه النفس الشافعة لن تُقبل شفاعتها، فانتقل إلى تقديم الفدية، فقال: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾.
أما الآية المتأخرة في البقرة أيضا، فإنها تتحدث عن النفس المطلوبة بجرم، عن النفس الثانية؛ فرغ الحديث عن النفس الأولى، وانتقل الآن الحديث عن النفس الثانية المطلوبة بالجرم، فلننظر في الآية الكريمة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، الآن هذه النفس تريد أن تفتدي نفسها، فيبين الله تبارك وتعالى أن الفدية لا تُقبل منها، فإن لم تُقبل منها الفدية، فإنها ستلتمس الشفاعة من أي شفيع كان، فجاء أيضا بيان أن الشفاعة لا تُقبل، ولذلك قال: إن الشفاعة لن تنفع، قال: ﴿وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾؛ هناك لما كان الحديث عن الشافع، عن النفس الأولى قال: «لا يُقبل»، لا يُقبل منها الشفاعة، هنا الحديث عن المشفوع له المطلوب بالجرم، قال: ﴿وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ من أي شافع كان.
هذا هو خلاصة ما ذكره ابن جماعة، وقلتُ بأنه أجود ما في المعنى، وقد تَقَدَّم الآن بيان المسألتين: مسألة التقديم والتأخير: ﴿لَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، وفي الثانية قال: ﴿لَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، والمسألة الثانية: أنه عبّر بالقبول في الشفاعة في الأولى، وعبّر بالنفع في الشفاعة في الثانية؛ لأن القبول إنما يكون ممن يتقدم به وهو الشافع، وأما منفعة الشفاعة فإنها تعود على المشفوع له المطلوب بالجرم، ولذلك قال: ﴿وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾.
ومن ذكر فروقا أخرى –وهي أيضا حسنة– طائفة من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، أنهم ذكروا –وهذه إضافة لبيان سبب هذا الاختلاف– أن الآية الأولى التي فيها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، سبب تقديم الشفاعة هنا أن الآيات قبلها تحدثت عن قول الله تبارك وتعالى –ورد قبل هذه الآية قوله تبارك وتعالى في السياق–: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾، فهؤلاء يمكن أن يدلّوا على الله تبارك وتعالى بأنهم أهل كتاب، وبأنهم أمروا غيرهم بالبر، فلعل غيرهم هذا قد أخذ بما أمروه به من بر فَنُجِّيَ، فيتذكر أن يشفع لهم، فجاء الرد موافقا لهذا العتب المتقدم: أن الشفاعة لا تنفع، فلا تعوّلوا على الشفاعة، فتقدم ذكرها؛ هذا المعنى منتفٍ في الموضع الثاني، ولذلك لم تكن هناك حاجة إلى ذكر الشفاعة، فذُكر على أصل الترتيب، وأصل الترتيب: الفدية، فإن لم تنفع الفدية فالتِماس شفاعة بأي وجه كان؛ هذا أيضا مما ذكرته طائفة من المفسرين من المتقدمين حتى قبل ابن جماعة، لكن يبدو أن ابن جماعة –مع اطلاعه على كلامهم– لم يقف عند هذا المعنى، لم يرتضِ هذا المعنى، وذكر الذي ذكره.
هذا والله تعالى أعلم.