⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، السائل يقول: يسأل عن كلمة «فألقوه» في سورة يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: 93]، هذا المقام مقام أبوي، ولماذا ذُكرت هذه الكلمة، ولم تُذكر كلمة فيها شيء من التلطف، مقام الأب؟
نعم، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يستشكل كلمة «فألقوه على وجه أبي»، يعني يظن أن هذه الكلمة ليس فيها تلطف، وكلمة الإلقاء فيها معنى النبذ والطرح والرمي من حيث أصل وضعها اللغوي، لكنها تأتي في كتاب الله عز وجل على معانٍ، ولن نخوض في هذه المعاني – بعضهم أوصلها إلى عشرة معانٍ – في «الدامغاني» في «الوجوه والنظائر» أوصلها إلى عشرة معانٍ تأتي عليها مادة الإلقاء في القرآن الكريم.
منها هذا الموضع، قال: إنه بمعنى ضعوه على وجه أبي، ضعوه على وجه أبيه، وهذه الصيغة، هذا التركيب – فعل الإلقاء المعدى بـ«على» – لا يرد في القرآن الكريم في معنى يتنافى مع التلطف، بل في الحقيقة ورد في غاية التلطف والترحم، وذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39]، في خطاب الله عز وجل لموسى عليه السلام، قال: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، فلا يقاس الفعل مجردًا على هذا الفعل الذي عُدِّي بـ«على».
وهذا يعني هذه مقدمة لفهم المعاني التي تأتي عليها الكلمات أو المفردات في كتاب الله عز وجل كان لابد منها، لكن لو نظرنا فيما تحققه هذه الصيغة لتبين لنا أمر عجب، بحيث إنه لا يمكن أن تقوم كلمة أخرى مقام هذه الصيغة المستعملة في هذه الآية الكريمة، وهو أمر يسير، فهمه يسير.
قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، كل واحد منا يفهم أن هذا الإلقاء سيأتي من قِبَل الوجه؛ لأن الإلقاء هنا – واللقاء دائمًا – يكون فيه المواجهة، هذا الأمر الأول، فهو لن يكون من شيء من الجوانب، وبالقطع لن يكون من الخلف، لابد أن يكون من الأمام، فيه معنى المواجهة، فيه معنى الإسراع، معنى الإلقاء على: فيه معنى الإسراع، أي لا تبطئ، فيه عنصر المفاجأة، لستم بحاجة إلى مقدمات، «فألقوه على وجه أبي» فيه أنكم لستم بحاجة إلى تكرار، هي المرة الواحدة كافية.
هذه المعاني كلها نأخذها بسهولة ويسر من هذه الصيغة: «فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرًا»، ولذلك فالنتيجة فورية، ولذلك من بحث في المعنى الاشتقاقي لهذه الصيغة ذكر أن المعنى المشترك فيها معنى اللقاء الذي يكون على مواجهة وبقوة، ولا حاجة فيه إلى تكرار.
فهذه المعاني حاصلة في هذا التركيب: «فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرًا»، لستم بحاجة إلى مقدمات، بادروا إلى الإلقاء، ويكون ذلك على جهة المواجهة، يعني لابد منه، ولذلك قال: «على وجه أبي» لتحصل النتيجة فورًا «يأتِ بصيرًا»، فهذا هو المعنى، ولهذا استعمل القرآن الكريم هذه الصيغة التي فيها «فألقوه»، والذي يتبادر إلى الذهن في سؤال السائل إنما هو من المعنى الجذري للكلمة، وهو معنى الرمي والطرح، لكن حتى في المعنى الجذري للكلمة ليست دائمًا بمعنى الشيء المرمي المطروح، وإنما يمكن أن يكون بمعنى اللقية واللقيا، فيها معنى التلقي أيضًا، فيها معنى المواجهة بالاستقبال من الطرف المقابل، من الطرف الآخر.
فهذه المعاني هي التي أريد تحميلها بمعانٍ كثيرة في كتاب الله عز وجل، واستُعملت في سياقات متعددة، في سياقات الترغيب، وفي سياقات الترهيب، في سياقات الترغيب مثلًا: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: 11]، فهذه المعاني كلها تدور حول نفس الجذر الاشتقاقي، لكن المعنى المقصود هنا هو ما اشتمل على المعاني المتقدم ذكرها.
والله تعالى أعلم.
والإلقاء غير الضرب طبعًا، ليس الضرب، ليس فيه، لا، لا، هو ولذلك قالوا: إنه في هذه الكلمة بمعنى ضعوه على، وكما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ أي أضفت، وضعت عليك محبةً مني، وبما أضفته عليك من لطف ورحمة، فهي أقرب ما تكون إلى هذا المعنى، فهي في صميم التلطف، وفي صميم تحقيق الغرض.
نعم ... لكن ما في كتاب الله عز وجل في هذا السياق واضح وبين كما تقدم.
والله تعالى أعلم.