⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن رسل الله تعالى المصطفين الأخيار اختارهم الله سبحانه وتعالى لأن يكونوا صفوته من خلقه، فهم بكل الاعتبارات فوق سائر الناس؛ فهم من حيث العقول أوفر الناس عقلاً، ومن حيث السريرة أطهر الناس سريرة، ومن حيث الفكر أنور الناس فكرًا، ومن حيث السلوك أقوم الناس سلوكًا، بجميع الاعتبارات هم فوق غيرهم من الناس. الله سبحانه وتعالى اصطفاهم واجتباهم واختارهم، ومن المعلوم أنهم من المصطفين الأخيار.
فلما كانوا من المصطفين الأخيار فبطبيعة الحال لا يتسلط عليهم الشيطان بحيث يدفعهم إلى الوقوع في المعصية دَفعًا هكذا بإصرار ورغبة في تلك المعصية، والله سبحانه وتعالى بيَّن أن الشيطان ليس له سلطان على عباده: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]، والإضافة هنا للتشريف، ولما كان العباد الذين اجتباهم الله تعالى واختارهم ليس للشيطان سلطان عليهم، فإذا الرسل هم في مقدمة هؤلاء؛ فلذلك لا يمكن أن يتسلط عليهم الشيطان بحيث يُغويهم ويُرديهم، وهذا بعيد كل البعد.
وإنما يمكن أن يُعبَّر عما يأتون به بالمعصية نظرًا إلى علو مقامهم وقدرهم العالي، فإن الرسل هم أولى بأن يكونوا محتاطين من كل ناحية من النواحي، وألا ينسوا عهد الله إليهم، ولكنهم بطبيعة الحال ينسون، كما وقع لآدم عليه السلام، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: 115]، لم يكن عازمًا على معصية الله، ولكن نسي، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: 115]، نسي هذا العهد الذي عهده الله تبارك وتعالى إليه، ولم يكن عازمًا على أن يُقدم على معصية الله سبحانه وتعالى، وإنما بسبب إنساء الشيطان له استطاع الشيطان أن يدفعه إلى الوقوع فيما حُذِّر منه في الأكل من الشجرة.
هذا التعبير عن هذا بالمعصية إنما هو نظرًا إلى علو قدره وعظم شأنه، أما بالنسبة إلى غيره لو كان وقع في ذلك لقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عُفي عن أمتي الخطأ والنسيان»؛ وحريٌّ أن يعفو الله تبارك وتعالى عن آدم، ولكن كانت هذه المؤاخذة؛ لأن القضية قضية اختبار، في موقف اختبار أراد الله تعالى أن يختبره، ومن خلال هذا الاختبار كونُه يقع في مخالفة لما حُذِّر منه يؤدي الأمر إلى أن ينتقل من تلك الدار التي كان فيها إلى هذه الدار التي جعلها الله تبارك وتعالى مقرًا له ولذريته حتى تتحقق إرادة الله سبحانه وتعالى أن يجعل فيها خليفة.
وبطبيعة الحال كون هذا مما يُعدُّ كبيرة، أو مما يُعد إصرارًا، أو مما يُعد عزمًا على المعصية؛ لا، لا يُعد عزمًا، ولا يُعد إصرارًا، ولا يُعد كبيرة من الكبائر، وإنما هذه هنات، وقد يؤاخذ الله سبحانه وتعالى الرسل بهذه الهنات الخفيفة نظرًا إلى علو مقامهم وشأنهم الرفيع.
نعم.
... لكن قلنا بأن التعبير عما يقعون فيه بأنه معصية إنما هو من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، نظرًا إلى علو قدرهم ورفعة شأنهم.
نعم.