مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

عصمة الأنبياء من الخطأ

هل الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطأ وما أصل عبارة (الأنبياء معصومون من الخطأ) مع ذكر ما يُشكل مثل أكل آدم من الشجرة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم. أما بعد، فإن الجواب على مسألة عصمة الأنبياء يبدأ بالتعرّف على معنى العصمة، ولو باختصار شديد. العصمة معناها لغة وشرعًا: الصون والحفظ؛ فهي مطلق الصون والحفظ في اللغة، وأما في الشرع فهو الصون والحفظ من الوقوع في الذنوب والمعاصي. وحينما تُضاف إلى الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فإنه يُقصد بذلك أنهم محفوظون مصونون من الوقوع في الذنوب ومن مقارفة المعاصي. وهنا اختلف أهل العلم، وأشهر الأقوال في هذه المسألة: أنهم معصومون على الإطلاق من الصغائر ومن الكبائر قبل النبوة وبعدها، وهذا القول قال به جمهور أصحابنا الإباضية، ومعهم طائفة من العلماء المتقدمين، وطائفة من المعتزلة، وعدد من مذاهب أهل السنة. ويقابل هذا القول: أنهم معصومون بعد النبوة، وأما قبلها فيمكن أن يقع منهم، يمكن أن تقع منهم الصغائر، أما الكبائر فهم معصومون منها. وهذا الخلاف في مسألة العصمة –حتى نخرج ما ليس منها بعد أن أدخلنا ما هو من هذه المسألة– لا يتعلق بما أُمروا بتبليغه من وحي الله تبارك وتعالى إلى قومهم؛ فهذه القضية غير داخلة فيما يتعلق بالخلاف في عصمة الأنبياء، لأن الكل يتفق على أنهم فيما أُمروا بتبليغه معصومون محفوظون بحفظ الله تبارك وتعالى لهم. الآن فيما يخص هذين القولين، إذا نظرنا في الأدلة الشرعية التي دفعت هؤلاء وهؤلاء –وهذه أقوال متقاربة للغاية– نجد أن هناك جملة من الأدلة في كتاب الله عز وجل حدت بكل فريق إلى ترجيح القول الذي يراه، ونحن بعيدًا عن هذا الخلاف لننظر في كتاب الله عز وجل لفحص هذه المسألة. ما هي النبوة؟ ما هي منزلة هذه النبوة؟ هذا النوع الأول من الأدلة. نجد أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75]، فالنبوة دونها، إذا هم شبيهون بالملائكة، بدليل اصطفاء الله تبارك وتعالى؛ أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: إنه يصطفي من الناس رسلًا. وهذا يدل دلالة واضحة على أن هناك صفات ومؤهلات أهلّت هؤلاء لكي يكونوا محل اصطفاء الله تبارك وتعالى لهم لتبليغ وحيه سبحانه وتعالى إلى أقوامهم وإلى من بُعثوا فيهم. نجد أيضًا أن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر أمر الرسالات قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، في سياق الرد على من يستنكر دعوة الرسل، ومن المؤهلات أو الأسباب التي جعلت بعض من ينتسب إليهم، ممن يكون من قومهم، يدّعي أنه نبي، ويعترض على ذلك من هؤلاء الجاحدين، فإن الله تبارك وتعالى ردّ على هؤلاء بقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾؛ إذًا هو اختيار إلهي، فهو اختيار واجتباء من الله تبارك وتعالى. أيضًا نجد أن الله عز وجل في كتابه الكريم، فيما يتعلق بالأنبياء والرسل، أقامهم في القرآن الكريم ليكونوا أُسوةً لقومهم، ليكونوا قدوة حسنة للناس؛ ولذلك قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 64]؛ فهذا يعني أن هذا الرسول المُجتبى المصطفى هو في محل الأُسوة والقدوة لقومه، بدليل قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ فهو بُعث لكي يكون مطاعًا في قومه فيما جاءهم به. فلا يليق بكل هذه الصفات التي أُحيطت في القرآن الكريم بمعنى النبوة، وبمقارَنة أسباب اختيار الله تبارك وتعالى للأنبياء والرسل، أن يصدر منهم ما يمكن أن يُعدّ هفوة أو ثَلْمة في مقام النبوة؛ لأن هذا مقام عالٍ كريم. الصنف الآخر من الأدلة التي نحتاج إليها هو ما يتعلق بصفات أولئك الذين لا سبيل للشيطان عليهم. فحينما قطع إبليس على نفسه وعدًا بين يدي الله تبارك وتعالى بإغواء الناس وإضلالهم، فإن الله سبحانه وتعالى استثنى صنفًا من عباده، فقال سبحانه وتعالى –لو نأتي بالسياق–: هذا كلام إبليس: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]، ثم تأكد هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]. هذا يشمل الأنبياء وغيرهم، أما الأنبياء، فإن كان غيرهم معصومًا محفوظًا من غواية الشيطان، فلا ريب أن في الذُّرْوة من هذا المقام هم الأنبياء والمرسلون؛ لأنهم معصومون من وساوس الشيطان ومن إغواء الشيطان لهم. يتأكد هذا المعنى –وهذه المجموعة من الأدلة الشرعية قريبة جدًّا من المجموعة الأولى– بأننا نجد هذا التأكيد مرتبطًا أيضًا ببيان ما تضمّنته المجموعة الأولى من الأدلة الشرعية. نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول –بعد ذكره لطائفة من الأنبياء والمرسلين–: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 86]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33]. الآية الأولى: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، جاءت بعد مجموعة من الأنبياء والرسل، وهذه الآية نصّت على أسماء عدد من الأنبياء والمرسلين، وعلى أهلهم، وعلى ذرياتهم ممن أكرمهم الله تبارك وتعالى أيضًا بالنبوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. أيضًا نجد أن إبراهيم عليه السلام حينما دعا ربه مخاطبًا إياه بأن يجعل هذه النبوة في ذريته، جاءه الجواب فورًا: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]، فيبين الله سبحانه وتعالى أن هذا المقام غير جديرٍ به من هو ليس بأهلٍ له، ممن يمكن أن يصدر منه الخطأ أو المعصية والذنب، أو أن يصدر منه الظلم لنفسه أو في حق الله تبارك وتعالى، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. هذه المجموعة من الأدلة الشرعية، مع المجموعة المتقدمة، كلها تؤكد على أن الأنبياء والرسل محفوظون مصونون من الوقوع في الخطأ، من الوقوع في المعصية أو مقارفة الذنب، صغيرًا كان أو كبيرًا، قبل النبوة أو بعدها. في المقابل نجد بعض الآيات التي يمكن أن يُفهَم منها أن بعض الأنبياء صدر منهم شيء من الأخطاء، وفي هذا السياق يُذكر ما صدر من آدم عليه السلام –كما هو السؤال–، وما صدر من موسى عليه السلام، ومن يونس عليه السلام، ومن داود عليه السلام. كل هذه إنما هي بالنظر إلى مقام النبوة؛ فهي –وإن ظهرت على أنها أخطاء– لكنها ليست من الذنوب والمعاصي؛ قد تكون بالنظر إلى مقام النبوة أخطاء، لكنها ليست من الذنوب والمعاصي بالنسبة لغيرهم، بالنسبة لذات شرع الله تبارك وتعالى؛ وإنما كان العتاب لعلو مقامهم ولعظم منزلتهم، فكانت هذه المعاتبة لبيان ما كان أولى في حقهم مما يتناسب مع مقام النبوة. فآدم عليه السلام ربّنا جل وعلا قال: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: 115]؛ أي: ما كان عازمًا على مقارفة المعصية، فنَسِي، و﴿لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، فنفى ذلك، أو حُمِل ذلك على النسيان، وهو المعنى الذي يجب أن تُفسَّر به آية: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121]. وما صدر من موسى عليه السلام –حتى عند من يقول بأنهم معصومون بعد النبوة– قالوا بأن هذا كان قبل النبوة، لكنه في حقيقته ما صدر من موسى ما كان من المعاصي أو الذنوب أبدًا، بل كان نُصرةً لمظلوم، إلا أن الأثر الناتج كان أعظم مما توقّعه موسى عليه السلام. ومع ذلك –وهذا هو لما تقدّم القول بأنه قد يصدر منهم ما هو خلاف الأَوْلى– لما قلتُ: الخطأ، أي: هو خلاف الأَوْلى بالنظر إلى مقام النبوة، لكنه لا يكون ذنبًا أو معصية؛ لأن الله تعالى جعلهم في مقام الاقتداء والائتساء. فنحن نتعلم منهم كيف نتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يتأتى ذلك إلا في مثل هذه المواضع، نحن نتعلم منهم كيف نستغفر الله عز وجل، كيف نتوب، ونسأل منه جل وعلا أن يغفر لنا ما تقدم من ذنوبنا ومن أخطائنا، فنتعلم منهم كل ذلك بمثل هذه المواضع، بمثل هذه المخالفات لما هو أولى، وهذا هو اللائق بمقام النبوة. وهذا باختصار شديد ما يتعلق بهذه المسألة، والله تعالى أعلم. الحقيقة أنه نعم يمكن أن تكون له ثمرة، بل ثمرته واضحة؛ إذ لو كان الحديث إنما هو في بعض الهفوات التي يمكن أن تصدر في حالة السهو أو النسيان –كما حُمِل على ذلك أيضًا طائفة من أهل العلم– لكان لا إشكال، لكننا نجد أن الأمر يتعدى بنسبة ما لا يليق إلى الأنبياء والمرسلين، وهنا تصبح المسألة من مسائل الاعتقاد؛ إذ يجب أن يُنزَّه الأنبياء والمرسلون عما لا يليق بهم، وما لا يليق بمنزلة النبوة وباصطفاء الرسالة من الله تبارك وتعالى، وبهذا المقام الكريم الذي بُوِّئوه، لا في نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في من كان قبله من الأنبياء والمرسلين. فحينئذٍ نعم تصبح المسألة من مسائل الاعتقاد إذا كان هناك شيء من التنقص بنسبة شيء لا يليق إلى الأنبياء والمرسلين، أو حتى في حكاية ما صدر منهم، أو ما وقع عليهم، بشيء فيه من الاستخفاف بمقام النبوة أو التحقير لبعض الأنبياء والمرسلين. وكم رأينا أن بعض المفسرين يأخذون مما كتبه أهل الكتب السماوية السابقة، فلا ينتبهون، فينقلون عنهم ما لا يليق بمقام الأنبياء والمرسلين، والغريب أنه حتى في سياق يتعارض تمامًا مع كتاب الله عز وجل؛ هذا لا مبالغة فيه: أن نجد من المفسرين من الأئمة الكبار من ينقل هذه الإسرائيليات ويجعلها في تفسيره، وهي تتعارض تمامًا مع السياق القرآني الذي يُفسّره؛ في قصة يوسف ورد هذا، في قصة داود عليه السلام ورد شيء كثير، في قصة سليمان عليه السلام ورد شيء كثير، في كثير من قصص الأنبياء والمرسلين وسِيَرهم التي نجدها في كتاب الله عز وجل، نجد أن ما يأتي به هؤلاء المفسرون من هذه المصادر، وما ينقلونه من إسرائيليات يناقض ما يثبته النص القرآني؛ ولذلك وجب أن يُتنبه لهذا، وأن تُنزه منه كتب التفسير.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٥‏/٣‏/٢٠١٧👁 3 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي ليلة 7 جمادى الثانية 1438 هـ HD

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

عصمة الأنبياء من الخطأ

5 👁

هل الأنبياء والرسل معصومون من الخطأ، وكيف نوفق بين القول بعصمتهم وما ورد من أكل آدم من الشجرة وقتل موسى للقبطي وغير ذلك؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٥‏/٣‏/٢٠٢٤

عصمة الأنبياء مع قصصهم

9 👁

كيف نوفّق بين القول بأن الأنبياء والرسل معصومون من الخطأ والذلل والمعصية، وبين بعض المواقف المذكورة في القرآن لبعض الأنبياء والتي قد تُفهم على أنها معاصٍ أو ذنوب؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/٣‏/٢٠٢٥

عصمة الأنبياء

2 👁

هل الأنبياء معصومون من الخطأ وما معنى عصمتهم مع ما ورد عن آدم وغيره؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

عصمة الأنبياء

2 👁

هل النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الذنوب، وهل تشمل العصمة ما قبل النبوة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٤‏/٢٠٢٢

حقيقة عصمة الأنبياء

4 👁

ما حقيقة العصمة لدى الأنبياء: هل هي عصمة من الوقوع في المعصية مطلقاً أم أنهم قد يقعون في المعصية لكن لا يثبتون عليها؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

وصف أفعال الأنبياء بالخطأ

2 👁

هل يجوز أن نسمي ما وقع من آدم ويونس ومحمد عليهم الصلاة والسلام خطأً ومخالفة لأمر الله؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢‏/٥‏/٢٠٢٠