⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، في مقام رسل الله تعالى الكرام وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام غاية ما يمكن أن يقال أن يوصفوا به هو مخالفة الأولى، نظرًا لعلو منزلتهم وعظيم مكانتهم، فهم معصومون من الوقوع في أي شيء من المعاصي، وإنما ما ورد في كتاب الله عز وجل مما يدل على معاتبته جل وعلا لهم إنما هو لما يتناسب مع مقامهم الكريم، هذا مقام الاصطفاء لمنزلة النبوة أو الرسالة.
ففي مثل قول الله تبارك وتعالى... عند طائفة من المفسرين في سورة «عَبَسَ»؛ فهذا الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام غاية ما يقال فيه بأنه مخالف للأولى المتناسب مع مقامهم الرفيع العظيم، وكذا الحال في سائر الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام.
اللهم إلا ما يتعلق بآدم عليه السلام، فإن الذي أجده أكثر إقناعًا وتطمئن النفس إليه أن ما كان منه عليه السلام كان في عالم غير عالم التكليف؛ لأن التكليف إنما كان بعد النزول، بعد أن أهبط إلى الأرض.
نجد في سورة البقرة: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، هذا في البقرة، ونجد في سورة طه: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ﴾... ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، فالتكليف وبيان سبل الهداية وترتيب الأثر على اتباع سبل الهداية أو على الغواية عنها إنما كان بهذه الأدلة القرآنية بعد النزول إلى الأرض.
فكان آدم في مرحلة التربية والإعداد، فيُحمَل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ على المعنى اللغوي، والمعنى اللغوي للمعصية أو للفعل «عَصَى» هو مطلق مخالفة الأمر، وكان في مرحلة إعداد وتربية، فحصلت مخالفة للأمر، لكن الله تبارك وتعالى بيّن أن ذلك لم يكن عن قصد منه؛ فقد قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ أي لم نجد له عزمًا على المخالفة أو على المعصية.
ويؤكد هذا المعنى أيضًا – لأنها مرحلة إعداد وتربية – أن آدم الإنسان هذا بحاجة إلى أن يتعلم التوبة، ولا يكون ذلك إلا بأن يقع منه خطأ، فوقع الخطأ، وفي الموضعين في البقرة وطه قدم ربنا تبارك وتعالى قبل أن يقول: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾؛ قال في البقرة: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وقال في طه: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ قبل أن يقول: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، فهذا دليل أن تلك المرحلة كانت مرحلة إعداد وتربية، صار مؤهَّلًا للقيام بواجب الخلافة؛ لأنه خلق أصلًا ليكون خليفة في الأرض: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، لما أذن الله تعالى للملائكة بخبر آدم أخبرهم بذلك، كشف لهم هذا الأمر.
كانت مرحلة إعداد لا تكتمل إلا بأن يتعلم هذا الإنسان كيف يتوب من الخطأ، فلما حصل ذلك انتقل إلى أداء الدور الذي خلق من أجله، والله تعالى أعلم.
وهذا القول ليس ابتداءً من عندي، قاله طائفة من المتقدمين – أي أن تلك المرحلة لم تكن مرحلة تكليف – ومن آخر من قاله من كبار المفسرين هو العلامة ابن عاشور؛ فقد نص أيضًا على أن ذلك العالم الذي كان فيه آدم في ذلك الوقت هو غير عالم التكليف، وإنما كان عالم الإعداد والتربية، وهذه السياقات القرآنية تتفق مع هذا المعنى، والله تعالى أعلم.
لا ريب أن هذا لا يَغُضُّ من الأقوال الأخرى التي قالها علماء كبار من المتقدمين والمتأخرين، ولهم تأويلات حسنة أيضًا في هذه الآيات وفي غيرها، لكن الذي أجد أنه كما تقدم أكثر إقناعًا، وتطمئن النفس إليه، وأجد أنه متسق مع السياقات القرآنية هو هذا المعنى المتقدم، والله تعالى أعلم.
لكن حتى الفريق الآخر لا ينسب الخطأ تأدبًا إلى آدم عليه السلام؛ صحيح، هو اختلفوا، يعني قول جماهير أهل العلم بأن الأنبياء والرسل معصومون من الخطأ، وإنما في مثل هذا الموضع مما يتعلق بآدم عليه السلام: هل كان نبيًّا في ذلك الوقت أو لم يكن نبيًّا؟ فبعضهم نحا هذا المنحى، وبعضهم أيضًا أوَّل بالتأويل المتقدم، ولهم في ذلك أيضًا تأويلات أخرى.