⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا بد من بيان بعض الأمور هنا:
ما يجده عند أهل العلم من مسألة عصمة الأنبياء وأنهم معصومون من الخطأ، فإن مقصودهم بهذه المسألة هو ما يتعلق بالمعاصي والذنوب، لا بعموم الأخطاء، نعم، وإنما قد يعبّر بعضهم بالخطأ ولكنهم يريدون المعاصي والذنوب، هذا لا بد أن يكون واضحًا؛ فالحديث فيما يتعلق بقضية عصمة الأنبياء يتعلق بمقامات الذنوب والمعاصي، نعم، هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: أن هناك ما هو متفق عليه عند علماء المسلمين، أو عند عامة علماء المسلمين في مسألة عصمة الأنبياء من الذنوب والخطايا، من الذنوب والمعاصي؛ أن كل ما يتعلق بأمر الوحي والتبليغ فهم معصومون من الزلل أو الخطأ فيه، نعم، وأن كل ما يمكن أن يكون من وجوه الشرك –نعم، الظاهر أو الخفي– فإنهم معصومون منه، وهم كذلك معصومون من كبائر الذنوب باتفاق، نعم؛ إذًا هذه الأمور هي محل اتفاق عند أهل العلم جميعًا، نعم، عند عامة أهل العلم؛ ما وُجد من أقوال على خلاف هذا فهو شاذ لا يُعبأ به، نعم.
بقي البحث في الصغائر أو في ما يُعرف بالصغائر، ولأهل العلم فيها كلام؛ فمنهم من يرى جواز صدور الصغائر منهم، ومنهم من يقول بجواز الصغائر قبل النبوة لا بعدها، نعم، ومنهم من يمنع صدور الصغائر عنهم، نعم، صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا؛ إذًا هذه جملة أقوال.
والذي عند علمائنا أنهم منزهون عن الصغائر قبل النبوة وبعدها، نعم، ولكن القول بإمكان وقوعهم في الصغائر دون إصرارهم عليها ودون إقرارهم عليها قول موجود أيضًا، مشتهر، بل حكى البعض أنه قول جماهير أهل العلم، نعم، في الصغائر دون إصرار ودون إقرار، فهم لا يصرّون عليها ولا يُقِرّون عليها، وهي لا يترتّب عليها ذنب ولا عقاب، نعم.
ما الذي –كيف يوجّه القائلون بمنع صدور الصغائر عنهم قبل النبوة وبعدها– ما حُكي في كتاب الله عز وجل أو ما ورد صحيحًا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممّا يظهر أن فيه معصية؟ يوجّهون ذلك أنه على خلاف الأولى، أنه على خلاف مقام النبوة؛ فهذا المقام هو أكمل المقامات وأعلاها، ولذلك فإنه يمكن أن يصدر عنهم ما هو خلاف الأولى المتناسب مع مقام النبوة، وهذا توجيه حسن؛ لأن فيه تأدبًا مع أنبياء الله تبارك وتعالى صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا، وفيه حمل لما صدر منهم على وجه حسن مقبول.
الآن نأتي إلى بعض الأمثلة التي ذكروها؛ هم –يعني أهل العلم– يذكرونها: ما صدر من آدم عليه السلام، ما وقع من موسى في هذه الحادثة: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، نعم، ما وقع من ذي النون: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، نعم، وبعض الأمثلة، قلت بأن لكل واحدة منها توجيهًا، نعم.
فالصحيح فيما يتعلق بأكل آدم وزوجه من الشجرة: أن تلك المرحلة لم تكن مرحلة تكليف، نعم، وهذا حكاه غير واحد من المفسرين، وعوّل عليه كثيرًا الإمام الطاهر ابن عاشور في «التحرير والتنوير»، فقال –وحكاه قبله غيره– وذكروا أنه قول الجماهير: إنما تلك المرحلة في إعداد آدم عليه السلام وتأهيله وتربيته، لم تكن مرحلة تكليف، وإنما كانت مرحلة تربية، نعم، ولذلك فما صدر منه فيها مما يظهر أنه غواية وعصيان إنما كان على سبيل مخالفة التربية، مخالفة لوازم التربية والإعداد.
وضرب ابن عاشور مثالًا لذلك كتربية رب الأسرة لأولاده؛ فحينما يخالفون أمره، ولو لم يكن في ذاته معصية أو يمكن أن يوصف بأنه معصية، إلا أنه عصيان لأمر رب الأسرة، غواية عن مسلك رب الأسرة، كأن يقول له: لا تدخل هذه الغرفة مثلًا، فيدخل، نعم؛ فإذا هو من باب مخالفة التربية، لأنه لم يكن في مرحلة تكليف؛ فتلك غير مرحلة التكليف، نعم، وهذا توجيه حسن يجمع المتفرّق مما قيل في قصة آدم عليه السلام وأكله من الشجرة.
والقرآن الكريم صريح في وصف آدم عليه السلام بأنه نسي؛ ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، فكان ذلك على سبيل السهو والنسيان منه عليه السلام، ولم يكن عازمًا على مخالفة أمر الله تبارك وتعالى، نعم.
وأما ما كان من موسى عليه السلام –لأنه قد سئل عنه– فإن ذلك لم يكن بمعصية من موسى عليه السلام، وإنما كان على سبيل الخطأ، نعم؛ فهو أراد ردّ القبطي عن الإسرائيلي، لأن القبطي كان يبغي، كان معتديًا، فأراد دفعه عنه فوكزه، ولكن قدّر الله تبارك وتعالى أنه قضى عليه بتلك الوكزة التي وكزه إياها، نعم، فهذا من القتل الخطأ، ولذلك فإنه لا يوصف بأنه معصية؛ ولكن لمقام النبوة فإن موسى عليه السلام استغفر ربه، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا﴾، فاستغفر ربه تبارك وتعالى؛ لأنه ما كان يقصد ذلك، ولا يريد أن يقع فيه، وصدر منه على سبيل –كان قصده النهي عن المنكر– لكن قدّر الله تعالى وحصل الذي حصل، نعم.
وهكذا يوجّه ما ورد في كتاب الله عز وجل أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يتعلق بهذه المسألة.
لكن من المهم –تلخيصًا– من المهم الآن أن يُلتفت إلى أن ما يتعلق بالتبليغ أو بالشرك ظاهرًا أو خفيًّا، أو ما يتعلق بالكبائر، فإن الأنبياء معصومون، معصومون عليهم السلام؛ وأما ما يتعلق بالصغائر ففي المسألة خلاف، وتقدّم ذكر الأقوال، وأما ما كان على سبيل الخطأ، فشأنهم في ذلك شأن عموم البشر مما يمكن أن يخطئ في أمر من الأمور مما هو ليس بمعصية، مما هو غير داخل في باب التكاليف الشرعية، والله تعالى أعلم.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ مثلًا، نعم، وهذا ما قلت بأنه يحمل على مخالفة الأولى، نعم، يعني من باب التأدب؛ أما عند من قال بأن ذلك كان موكولًا إليه، وأنه كان مجتهدًا فيه، فالمسألة واضحة، وعند من قال بأنه قد وقع في خطأ فإنه يُعبَّر عن ذلك بأنه مما خالف فيه الأولى، والله تعالى أعلم.