⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أن رسل الله سبحانه هم صفوة خلقه، كما قلنا، هم يمثلون الكمال الإنساني، فقد استجمعوا من صفات الكمال البشري ما لم يكن موجودًا في غيرهم، لذلك على المسلم أن يتأدب عندما يصف أي رسول من رسل الله تعالى.
نعم، لا ريب أنهم يقعون في الخطأ، لأن حق الله تعالى أعظم من أن يتصوّره البشر، حق الله تعالى حق عظيم، وهم وإن كانوا بلغوا من الكمال البشري ما بلغوه، إلا أن الكمال الإلهي كمال لا حدود له، بينما الكمال البشري هو كمال محدود؛ لأنهم لم يخرجوا عن طور البشر، لم يخرجوا عن طور المخلوق. الخالق سبحانه وتعالى كماله ليس له حدود، تعالى الله عن كل نقص، وتعالى الله عما يقول المشبِّهة علوًّا كبيرًا.
ومع هذا كله أيضًا علينا أن ندرك أن هؤلاء الرسل هم متصفون بالصفات البشرية العامة، هم يتأثرون بالعواطف والمؤثرات النفسية، ولذلك يغضبون أحيانًا، ويشتد بهم الغضب، ويحزنون أحيانًا، ويفرحون أحيانًا، فهذه الصفات البشرية العامة موجودة فيهم، ولكن مع ذلك لا تُخرج بهم هذه الصفات عن حدود المعقول، عن حدود الآداب، عن حدود الحشمة، عن حدود الوقار، إلا أن الغضب أحيانًا قد يدفع الإنسان إلى أن يتخذ موقفًا صارمًا، هذا الموقف بطبيعة الحال ربما يعاتب عليه في حين من الأحيان، وربما يلحظ الإنسان مصلحة من المصالح، ويريد أن يحقق هذه المصلحة لأجل الدين، ويتجاوز عن بعض الجوانب لأجل تحقيق المصلحة، فكل ذلك مما يمكن أن يُعاتَب الرسول عليه من قبل الله سبحانه وتعالى.
فموسى عليه السلام اشتد غضبه لأسباب، لدوافع، كان غيورًا على حرمات الله، غضب حتى على أخيه هارون لما علم من بني إسرائيل، مع علمه من كونهم على ما مَنَّ الله سبحانه وتعالى عليهم من طريقة، بحيث أنقذهم من فرعون، ورجعوا يعبدون العجل ويقولون: هذا إلهكم وإله موسى، لا ريب أن هذا مما دعاه إلى الغضب، حتى أخذ برأس أخيه يجره إليه، وعاتبه أخوه عتابًا لطيفًا في هذا، قال: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: 94]. فعلى أيّ حال، موسى عليه السلام كان حريصًا على مرضاة الله سبحانه وتعالى، وغيورًا على حرمات الله، حتى أدى به الأمر أن يُلقي الألواح بسبب انفعاله في هذا الموقف الذي دعاه إلى الغضب.
وكذلك بالنسبة إلى غيره، لكن مع هذا كله علينا أن ندرك أنهم بلغوا من الكمال ما لا يمكن أن يبلغه سواهم، فنحن عندما نتحدث عنهم إنما نتحدث بأدب؛ هم بالنسبة إلى حق الله تعالى ربما يُقال بأنهم أخطؤوا، لكن نحن عندما نصفهم لا نقول: هم مخطئون، وإنما نقول: خالفوا ما هو أولى.