⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا شك أن نساء النبي رضوان الله تعالى عليهنَّ هن صفوة نساء المؤمنات، وهن في ركب من قصَّ الله عز وجل لنا سيرهنَّ من الصالحات وسمّى أسماء سور بأسمائهن في كتابه العزيز، وهذا نفهمه مما نجده في كتاب الله عز وجل في مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]؛ فإن هذا التعليل إنما خوطب به نساء النبي صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهن، لأن صدر الآيات إنما الخطاب فيها لنساء النبي: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن… إلى آخر الآيات، فصدر الآيات إنما الخطاب فيه لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد هذه الآية أيضاً جاء قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، واذكرن كما يقول أهل التفسير: إما أن يكون من الذِّكر بالضم، والمقصود به أن يتذكّر الإنسان، فأُمِرنَ أن يتذكّرن ما يتلقَّينه في بيت النبوة من معالم الوحي ومن مراشد هدايات الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت تلك ميزة أخرى تُضاف إلى ما امتازت به نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حظين به من التطهير، ومن الشرف الرفيع، ومن المنزلة والجاه العظيم، فخُطِبن بأن يحفظن، أن يتلقَّين، وأن يتذكَّرن، وأن يطبّقن ما يتلقَّين في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو أن يكون ذلك من الذِّكر، ويُقصد بذلك أن يَتْلُون، أن يذكُرن ذلك بألسنتهن… إن بيت النبوة فيه من الخصائص ومن المزايا ما لا يوجد في غيره؛ فهو بيت يتلقى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحيَ من السماء، وهو البيت الذي تتجلّى فيه نبوته كما تتجلّى فيه بشريته عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وهو البيت أيضاً الذي كان يهيِّئ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه لكي ينقلن هذا الوحي الذي يتلقاه إلى الناس كافة.
ونحن نعلم أنه عليه الصلاة والسلام قد خصَّص للنساء أياماً يعلِّمهن فيها؛ فإذا كانت النساء ـ كما في حديث البخاري ـ أنهن أتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتكين له أن الرجال قد استأثروا به صلى الله عليه وسلم، وأنهن يطالبنه بيوم يعلِّمهن فيه، فحدّد لهن صلى الله عليه وسلم أياماً وأماكن لكي يعلِّم فيه النساء، كما أنه يعلِّم الرجال، وكما أنهن كن يتزاحمن على مواعظه صلى الله عليه وسلم في المسجد، حتى إن الباب الذي يدخلن منه لا يزال يسمى إلى الآن «باب النساء» في مسجده الشريف عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
فإننا لا ريب نتوقع أن تكون نساء النبي هن أكثر حظوة وأقرب إلى أن يتعلَّمن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يعتني عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بأن يعلِّمهن وأن يلقِّنهن ما يتلقاه من ربّه تبارك وتعالى؛ ولذلك مع علوّ منزلتهن ومع مكانتهن الرفيعة نجد أنهن كنَّ المعلِّمات لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان من خصوصياته عليه أفضل الصلاة والسلام في نومه ويقظته وقيامه وتبتُّله ودعائه، وفيما يتعلق بأمور النساء والعِشْرة والفراش والكثير من قضايا النساء.
وكان هو عليه الصلاة والسلام ينيب نساءه أحياناً في تعليم نساء الأنصار والمهاجرين، كما في الحادثة الشهيرة: لما سألت إحدى نساء الأنصار كيف تتطهر من الحيض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذي فُرصةً فتتبَّعي بها الموضع»، فقالت: كيف أفعل يا رسول الله؟ فقال: «تتبَّعي بها الموضع»، فقالت: سبحان الله كيف؟ فسألته، فقال: «سبحان الله»، ثم أشار إلى السيدة عائشة، فأخذتها وعلَّمتها كيف تفعل ذلك.
فإذا كان عليه أفضل الصلاة والسلام يعلِّم أصحابه، يعلِّم نساءه أن يبلِّغن ما يتلقاه هو من الوحي لسائر النساء، ولذلك إذا كان قد أثنى على نساء الأنصار، فمن باب أولى أن تكنَّ نساؤه في بيته عليه أفضل الصلاة والسلام قد حظين منه بما لم يحظَ به غيرهن.
ولذلك أدرك صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المنزلةَ وذلك المقدار العظيم من العلوم التي تلقتها نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهنَّ منه عليه أفضل الصلاة والسلام، فبادروا إلى أن يتعلموا منهنَّ. وقصة جابر بن زيد في سؤاله للسيدة عائشة أيضاً شهيرة في كتب الحديث، مما يؤكد ما اختصَّ به هذا البيت الشريف من العلم ومن آيات الله والحكمة.