⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الآية الكريمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110] ليس فيها ما يوهم بحال من الأحوال أن هذا الفرض فرض كفائي يقوم به البعض دون الآخرين، ليس في ذلك، لأن الكل إنما هو جزء من هذه الأمة، فما من فرد من أفراد هذه الأمة إلا وهو يعد جزءاً من هذه الأمة، والفرض الذي أميط بالأمة جميعاً هو موزع على جميع الأفراد، فكل فرد يحمل مسؤولية هذا الفرض، وعليه أن يطلع به وأن يقوم به.
وإنما قد يوهم ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104] عندما يُتصوَّر أن «مِن» هنا للتبعيض، ولكن قلنا أكثر من مرة بأن «من» ليست للتبعيض، وإنما هي للبيان، وهي تدل على التجريد، كأنما جُرِّد من الأمة أمة في هذا شأنها، فعلى أي حال هذه المسؤولية مسؤولية مشتركة.
وما قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ إلا كمثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: 28]، مع أنها هي بأسرها دار الخلد، وهذا معروف، فن التجريد هو من جملة فنون البلاغة، وأسلوب من أساليب التعبير، بما يفيد تقوية الكلام.
ويعتضد هذا بالكثير من الأدلة، منها أن كل فرد من أفراد الأمة مطالب بأن يكون من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام حُدِّد منهجه في القرآن عندما أمره الله سبحانه وتعالى أن يعلن سبيله وسبيل أتباعه جميعاً في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]، فإذاً الكل إنما يطالب بأن يطلع بهذه الأمانة، وأن يقوم بهذا الواجب، وأن يصبر على ذلك.
وتُعزِّز ذلك أيضاً ما حكاه الله سبحانه وتعالى عن العبد الصالح من قوله: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]، فإن هذا الفرض لا يُناط ببعض الناس دون بعض.
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى ذكر بني إسرائيل، وذكر أنهم في قضية السبت انقسموا إلى ثلاث طوائف: طائفة اعتدت في السبت، وطائفة أنكرت هذا الاعتداء، وطائفة وقفت موقفاً سلبياً بحيث لم تقم بالإنكار، وعدلت الطائفة المنكرة بدعوى أن أولئك الذين اعتدوا صاروا في حالة لا يمكن أن يرعَوُوا فيها عن غيِّهم ويتراجعوا إلى الرشد. فالله سبحانه وتعالى صوَّر هذا الواقع بقوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163-165].
فالله سبحانه وتعالى أخبر بأنه أنجى الذين ينهون عن السوء، أما الذين ظلموا فقد أخذهم بعذاب بئيس، والذين ظلموا وَصْفٌ ينطبق على المعتدين كما ينطبق –أيضاً على الأصح– على الذين سكتوا ولم ينكروا هذا العدوان، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن أنهم استحقوا بهذا اللعنة في قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79]، فعندما يكف الإنسان عن النهي عن المنكر لا ريب أنه يتحمل قِسطاً من وِزر ذلك المنكر وارتكابه.