⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فكما هو معلوم الصيام يعني الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس مع العلم بكونه صائما والنية لذلك.
وحينما نقول الإمساك عن جميع المفطرات فإن من المفطرات ما هو مفطر حسي، ومنها ما هو مفطر معنوي. أما الحسي فهو الطعام والشراب والجماع وما في حكم الجماع، وأما المفطرات المعنوية فيُقصد بها ما أشرتَ إليه في سؤالك وهي كبائر الذنوب والمعاصي.
وقد اختلف أهل العلم في كونها ناقضة للصوم، إلا أن من يتتبع مقاصد الشريعة وأدلتها في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجد بُدًّا من القول بأن كبائر الذنوب والمعاصي تهدم الصوم وتبطل ثوابه.
فأما من كتاب الله عز وجل فإننا نجد أن الله سبحانه وتعالى جعل غاية الصيام بلوغ التقوى، وهذا يعني كما أن التقوى تعني تجنب سخط الله عز وجل واتقاء غضبه جل وعلا فهي شرط لصحة الصيام؛ الصيام ذاته موصل أيضا إلى حقيقة التقوى، وكبائر الذنوب والمعاصي تتنافى مع تقوى الله سبحانه وتعالى؛ لأنها تعني الجرأة على حدود الله سبحانه وتعالى وتعني اقتحام محارم الله. وربط الصيام بالتقوى تكرر كثيرا في كتاب الله عز وجل سواء حينما بيَّن لنا ربنا تبارك وتعالى الأمر بالصيام أو حينما بيَّن لنا بعض الأحكام التفصيلية المتعلقة بالصيام.
وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأظهرُ ذلك قولُه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: «ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله»، فهذا نصٌّ منه عليه الصلاة والسلام على أن الصوم الصحيح لا يكون إلا بالكف عما حرَّم الله سبحانه وتعالى.
ونجد أنه صلى الله عليه وآله وسلم يذكر بعضا من كبائر الذنوب والمعاصي ويخصها بالذكر ويبين أنها تنقض الصيام؛ فمن ذلك قولُه: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فمعنى قوله: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» أي أن عمله ذلك غير متقبَّل؛ لأن الصيام اختصه الله عز وجل لنفسه حينما قال: «الصوم لي» أو «الصيام لي وأنا أجزي به».
ثم أيضا حينما نتذكر قولَه صلى الله عليه وسلم: «الصوم جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابَّه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم»؛ هذا الحديث يؤكد أيضا على أن كبائر الذنوب والخطايا التي يمكن أن يقترفها الإنسان تتنافى وحال الصيام الذي يتوجه به العبد لربه مخلصا محتسبا الأجر والثواب. ومعنى قوله: «الصوم جُنَّة» أي وقاية، وعند أهل التفسير معنى الوقاية في هذا الحديث هي إما أن تكون وقاية من النار أي ستر من النار، وإما أن تكون وقاية وسترا من ارتكاب الذنوب والمعاصي باتيان المفطرات، وكلا الأمرين مداهما واحد؛ فإن اتقى الصائم ما يُفسد صومه نال رضوان الله عز وجل.
وجاء تأكيد هذا المعنى في الجزء الأخير من الحديث حينما قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل»، ثم زاد مرتبة أخرى تؤكد على أن على الصائم أن يرتقي بخُلُقه وسلوكه فوق مقابلة الإساءة بمثلها، ولذلك قال: «فإن سابَّه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم».
ونجد أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «الغيبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم»، والغيبة كما هو معلوم من كبائر الذنوب والمعاصي. وهناك جملة أخرى من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ينص فيها على بعض الكبائر والذنوب ويبيِّن أنها تُفسد الصيام وتهدم عمل صاحبها.
إلا أن هذا لا يسوغ –وهذا تنبيه ينبغي لنا أن نذكره هنا– لا يعني أن من أتى شيئا من هذه الكبائر أنه يُباح له أن يأكل أو يشرب؛ لأنه مخاطَب مكلَّف بإتمام صومه، ومأمور بالتوبة مما أتى، والله عز وجل في هذا الشهر الفضيل قد فتح أبواب التوبة والغفران؛ فما على العبد إن وقع في شيء من هذه الإساءات إلا أن يبادر فيقبل على الله سبحانه وتعالى بقلب نادم على ما قدَّم وأتى، ويستغفر ربَّه جل وعلا، ويعزم على أن لا يعود إلى مثل ما وقع فيه، وإن كان الذنب الذي وقع فيه يتعلق بشيء من حقوق الآدميين فليُبادِر إلى أداء هذه الحقوق.
ولهذا قلنا: إن الصيام يحقق التقوى، والصيام جُنَّة ووقاية من عذاب الله عز وجل، وأما من حيث الفِطر فليس له أن يُفطِر، وإن كان حُكما قد هدم ثواب صيامه، إلا أنه إن تاب وأحسن توبته وكانت توبةً نصوحا جُدِّد له العمل.