⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ذهب أكثر المفسرين، بل ذهب جمهور المفسرين كما نقل غير واحد منهم، إلى أن المقصود بالحديد هنا جنسه من المعادن، ويقصدون بذلك ما تشترك معه في المنافع والخواص، ولا يقصدون مطلق المعادن كالذهب والفضة، وإنما يقصدون ما يشترك مع الحديد في الخواص والمنافع وما يستعمل فيه.
لكننا إذا نظرنا إلى الآية الكريمة فإننا نجد أن الله تبارك وتعالى خص الحديد بالذكر، وإن كان غيره يشترك معه في جملة من المنافع والخواص، إلا أن ذلك لا يعني عموم ما يمكن أن ينقدح في الذهن من المعادن الأخرى. ولهذا ذهب حتى الجمهور حينما قالوا بأن المقصود ما يشترك مع الحديد من جنسه من المعادن، فإنهم يذكرون الحديد، يخصون بالذكر الحديد؛ لأنه يدخل في أكثر صناعات السلاح والعتاد، وهذا هو المعنى الذي تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ ومنافع للناس؛ فهو بما أودعه الله تبارك وتعالى فيه من خواص قابل للمطاوع ليُصنع منه مختلف أنواع السلاح والعتاد اللازم لإقامة العدل في الأرض، ورد البغي والعدوان، وزجر المعتدين ذوي الجبروت والظلم الذين يسعون في الأرض فسادا، والجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى. ولذلك ذكر أيضا غير واحد أن الحديد يدخل في صناعة أغلب السلاح والعتاد الذي يحتاج إليه في هذه المنافع.
فهذا هو معنى الآية الكريمة: إن ذكر الحديد على جهة التخصيص مقصود، لكن المعنى لا يقتصر معه، كما أن المعنى لا يتسع ليشمل كل معدن أو كل معدَن، وإنما يقصد بذلك ما يشترك مع الحديد في عِظَم المنافع وفي صلابة الخواص وقابلية الحديد للتصنيع، وفي شدة احتياج الناس إليه، وفيما يُتخذ منه، أي من صناعة الحديد. كل هذه المنافع والاستعمالات والخواص هي التي تجعل من ذكر الحديد على جهة التخصيص في هذه الآية الكريمة مفهوما، فلا ينبغي أن يتوسع ليشمل أيضا ما خُصَّ بالذكر في مواضع أخرى في كتاب الله عز وجل أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يتخذه الناس حِلْيَة على سبيل المثال؛ فالذهب والفضة إنما تتخذ لتكون حِلْيَة وزينة.
أما الحديد وما أشبهه مما يذكر بعض المفسرين المعاصرين اليوم كالنيكل والرصاص والمعادن التي تشبه الحديد في خواصه ومنافعه، فإنها داخلة بالمعنى لا بالذكر.
وتقدم جواب في معنى ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾، قضية الإعجاز العلمي في: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، والصحيح أن هذا الفعل في سياق الامتنان من الله تبارك وتعالى يأتي فيما يمتن الله عز وجل به على عباده مما تشتد إليه حاجتهم؛ فالله تبارك وتعالى استعمله في إنزال الكتاب، واستعمله في المطر، وفي الرحمة، ثم استعمله كذلك في الأنعام: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، وهذا لا يتأتى ما يذكره بعض المعاصرين من كون الحديد عنصرا غريبا عن الأرض، وهو موجود في لُبِّ الأرض وفي ظاهرها، وإنما المعنى هو ما نص عليه غير واحد: هو الإيجاد والخلق، لكن هذه الصيغة فيما أوجده الله تبارك وتعالى وخلقه لعباده إنما تَرِدُ فيما يكون وجه الامتنان فيه كبيرا لشدة احتياج الخلق إليه، ولِعِظَم منافع ما امتن الله عز وجل عليهم به، ووَرَدَ بهذه الصيغة في معايشهم وفي حياتهم.
وفي أيضا امتنان الله تعالى على داود عليه السلام: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾؛ فالحديد هنا، يعني: الحديد ورد في ثلاثة مواضع شهيرة في كتاب الله عز وجل: ورد في الكهف: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾، وزُبَر الحديد أي: القطع التي تنتج من صَهْر الحديد لإزالة الخُبْث عنه، وليكون نقيا خالصا، ثم يُطْرَق بعد ذلك حتى يصير زُبَرا أي قطعا، وورد أيضا في سياق الامتنان على داود عليه السلام: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، في هذه المواضع كلها تأكيد إلى أن الحديد مقصود بذكره على جهة الخصوص، لكن هذا لا ينفي أن يكون الامتنان والإنعام، وأن يكون المقصود شاملا لما يشترك معه في المنافع والخواص، دون اتساع لما كان دون ذلك في المنافع والخواص؛ لأن غالب عتاد الناس في الماضي وفي الحاضر من العتاد والسلاح، من السيوف، السكاكين، والدبابات اليوم والمدرعات والأسلحة، إنما يتخذ من الحديد أصالة، أو من معادن تشترك مع الحديد في الصلابة والقوة والخواص، وما يُحتاج إليه في صناعة العتاد والسلاح.
والله تعالى أعلم.