⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، تقدمت الإشارة إلى أن قول الله تبارك وتعالى في سورة ص: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾، أن هذا الاستفهام –أن كلمة المنع هنا «ما منعك»– على بابها، فما منعك –ما الذي منعك أن تسجد– فهذا المنع على بابه، هذا في سورة ص، والقصد من الاستفهام إنما هو التوبيخ، ولذلك هذا التوبيخ حاصل بما يذكره به ربُّه جل وعلا من مزيد تحقير وتوبيخ حينما يقول له: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾.
أمَّا في سورة الأعراف فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، فهنا «ما منعك ألا تسجد»، المنع الأصل فيه الحَجْز والصَّدُّ عن الشيء، فكان الواجب، كان المتوقَّع –في غير القرآن الكريم– أن تجري مجرى الآية السابقة، لكن جاءت: «ألا تسجد»، وهذا –عند كثير من علماء اللغة، وهو الذي أيضًا أخذ به كثير من محققي المفسرين– إنما هو على سبيل أن المنع هنا بمعنى الحَمْل: ما الذي حمَلك على ترك السجود، فمنَعك.
وهذا صرَّح به السمين الحلبي في «عمدة الحفاظ» أن «منعك» بمعنى «حملك» في هذا السياق، ومنهم من أوَّلها بنفس هذا المعنى فقال: ما الذي منعك فاضطرك إلى ترك السجود؛ لأنه إذا وُجِد مانع فإن ذلك يعني أنه سيكون مضطرًّا إلى عدم الامتثال، وهذا هو المعنى اللائق بهذه الآية الكريمة، وهو أوْجَه من قول من قال بأن «لا» صِلَة، ويقصدون بذلك أنها زائدة، ويُراد منه التوكيد والتحقيق؛ هذا في سياق الامتناع ليست هناك حاجة إلى التوكيد والتحقيق.
ثانيًا: طالما أنها يمكن أن تُحمَل على وجه صحيح لغةً، وهي متناسبة تمامًا مع المراد في هذه الآية العزيزة، فهذا هو الأَوْلى.
وسأضرب لذلك مثالًا: حينما يسأل الأب ولده: ما منعك أن تذهب للمسجد؟ فالسؤال هنا عن المانع من الذهاب إلى المسجد، وقد يكون يعلم أنه لم يذهب، وإنما يريد تأديبه بشيء من التوبيخ. لكن إذا سأله: ما منعك ألا تذهب للمسجد؟ فإنه يزيد إلى التوبيخ إنكارًا؛ لأن الأصل أن يذهب، أضاف هنا حقيقة أخرى وهي أن الأصل الذهاب، لكنه لم يذهب، فهو ينكر عليه عدم ذهابه، فيقول له: ما منعك ألا تذهب للمسجد؟ فهو يضيف معنى آخر، وهو أن الأصل الذهاب، وأن امتناعك هذا جدير بالإنكار.
فـ«ما منعك» هنا من نفس الباب، من نفس باب الآية الكريمة في سورة الأعراف: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾.
وهذا يُسمَّى أيضًا في اللغة –ابن عاشور سمَّاه شبه احتباك– والاحتباك: أن تكون هناك عناصر أولى وعناصر متأخرة، فتُحذَف العناصر الأولى بدلالة العناصر المتأخرة، وتُحذَف عناصر متأخرة بدلالة العنصر المتقدِّم.
مثال: ﴿ادْخُلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ «ادخل يدك في جيبك»، فيُدخِل يده، «تخرج بيضاء»؛ أي: أخرجها فتخرج بيضاء، لكن حُذِف الأمر بالإخراج وجاء معبَّرًا عنه «تخرج بيضاء من غير سوء»، فحُذِف الأمر بالإخراج بدلالة النتيجة التي ذُكِرَت، هذا نفس الحال: ما الذي منعك فاضطرك إلى ألا تسجد.
وهذا المعنى لطيف، وقد ذكره أيضًا الطاهر بن عاشور في سورة طه في قول موسى عليه السلام لأخيه: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾، فقال: «ألا تتبعنِ» مع أنه يقصد: أي ما منعك من اتِّباعي فاضطرك إلى أن لا تتبعني، وهنا: ما منعك من السجود فحمَلك فاضطرك إلى ألا تسجد؛ هذا هو المعنى.
هذا شبه احتباك، هو ليس احتباكًا، الاحتباك من أنواع البديع، لكن –يعني– هو يقول: هذا شبه احتباك، وأحال في آية: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ إلى ما ذكره في آية الأعراف، وأحال أيضًا في آية الأعراف إلى ما ذكره في الآية الأخرى.
والله تعالى أعلم.