مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

أولوية الصدقة وبناء المساجد

ما هي أولويات الصدقة في المجالات المختلفة مع كثرة المساجد القائمة، وأيهما أولى: التبرع لبناء المساجد أم إعانة الأسر المعسرة والأيتام والمدينين، مع ما يذكر من أن إطعام جائع خير من بناء ألف جامع؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فيما يتعلق بالصدقات وصنائع المعروف؛ فإن استقراء الأدلة الشرعية يفضي إلى استنتاج أن ما كان من الصدقات موجهًا إلى نشر العلم، فإن له الصدارة؛ لأن هذا الدين دين علم، وأول ما أنزل الله تبارك وتعالى من وحي كتابه الكريم هو قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، وحينما عرَّفنا عن جوهر رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]، وهو صلى الله عليه وسلم أيضًا حينما بيّن ما ينفع العبد من أعمال يوم القيامة نصَّ على «علمٍ يُنتفع به». فأولى ما له الصدارة: العلم؛ فكل نفقة تُعين على نشر العلم، وعلى البحث العلمي، وعلى تقوية الأوطان والمجتمعات علميًّا، وعلى تمكين أفراد المجتمع من مختلف أنواع العلوم والمعارف التي يحتاجون إليها، وتتحقق بها مصالحهم، ويذرؤون بها الشرور عن أنفسهم، ويتمكنون بها من دفع الضر عنهم، فإن لها الصدارة. ثم يأتي بعد ذلك كل عمل يؤدي إلى إكساب حِرفة لأبناء المجتمع؛ قلت بأن هذا مأخوذ باستقراء الأدلة الشرعية؛ فرسولنا صلى الله عليه وسلم حينما كان يأتيه سائل كان يوجهه إلى ما يتمكّن به من اكتساب عملٍ يكسب به الرزق؛ فهذا يعني يطلب منه أن يأتيه بما في البيت، فلا يجد إلا حِلْسًا، فيأتيه بالحِلْس فيبيعه بدرهمين، فيشتري له بدرهم طعامًا، ويشتري له بدرهم قدومًا أو فأسًا، فيذهب ويحتطب ويكتسب مهنة، وهكذا كان هديه صلى الله عليه وسلم. ولذلك نجد مع هذا التوجه نجد تحذيرًا: «لا تحل الصدقة لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سويٍّ»؛ أي القوي القادر على العمل، ولا لمتاجر مالًا؛ هذا الذي يضع رجلًا فوق أخرى ويريد فقط أن يجمع الأموال وأن يأخذ من كسب الآخرين؛ بل إن ذلك الذي ينقطع إلى العبادة والنُّسُك ويقوم غيره بخدمته فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أخوه خيرٌ منه»؛ لأن ذلك الذي يعمل ويأتيه بما يحتاج إليه، ويسعى ويكسب، أخذ بما أرشد الله تبارك وتعالى إليه العباد حينما قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]، وحينما خاطب عباده بأن يكسبوا من طيبات هذه الأرض. فإذا نفهم أيضًا من مجموع هذه الأدلة -وهذا باب طويل- أن كل نفقة أو صدقة تُمكِّن المحتاج -سواء كان فقيرًا أو مسكينًا، أو كانت امرأة أرملة، أو كان يتيمًا قادرًا على العمل، كل هؤلاء أو سائر فئات المجتمع- حينما يُمكَّنون من حِرفة أو من مِهنة، تمكينًا علميًّا، أو تمكينًا كما نعرفه نحن اليوم بالتدريب وباكتساب الخبرات اللازمة، فذلك أيضًا من الوجوه التي لها صدارة في المجتمع؛ لأن هذا الدين لا يريد لأفراده أن يكونوا عالة على غيرهم، يريد منهم أن يكونوا فاعلين منتجين أقوياء، ساعين في هذه الأرض، عاملين جادين. ثم تأتي بعد ذلك أيضًا ما كان أثره ممتدًّا؛ يعني بعد الصنف الأول والصنف الثاني يأتي من الأعمال ما كان نفعه ممتدًّا، وهذا الامتداد أن يكون شاملًا لشريحة واسعة، وأن يكون أثره باقيًا، فما كان نفعه أعظم، أن يتناول أوسع عدد من عيال الله تبارك وتعالى… ولذلك ورد في الأثر: «أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله»، هذا المعنى -حتى وإن جادل بعض علماء الحديث في صحة الرواية- لكن هذا المعنى متوافق مع شرع الله تبارك وتعالى؛ ما معنى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه»، ونهيه من أن يبيت المسلم شبعان وجاره جائع؟ فهذه الأدلة الشرعية تدل على أن ما كان نفعه أوسع، يصل إلى أكبر عدد من الناس، ثم يمتد أيضًا الأثر ليبقى زمنًا أطول، فإنه أحب وأجدى. ومن هذا الباب جاء أيضًا ما قد يشفع لبعض من رأى أن الإنفاق على بيوت الله عز وجل لا باعتبارها أماكن لأداء الصلوات فقط؛ ينبغي لنا أن نعرف أن رسالة المسجد أيضًا لا تقتصر على أداء الصلوات، لأنها كما وصفها ربنا جل وعلا: هي المكان، هي مَجلى نوره تبارك وتعالى، ففيها تتحقق أُلْفة المؤمنين، فيها تتحقق الأخوة الإيمانية المنشودة، تذوب الفوارق، تتآلف النفوس، يتعارف المسلمون الذين يقيمون الصلوات على حوائج بعضهم البعض، فيواسي بعضهم بعضًا، ويُفرِّج بعضهم كُرَبَ بعض، ويُعين بعضهم بعضًا. هي مراكز للعلم، يتعلم فيها الناشئة كتاب الله عز وجل وما ينفعهم من علوم، وتتربى فيها الأجيال على النظام، وما أحوجنا إلى النظام؛ فإذا أيضًا في نظر بعض الناس الذين يعتبون على المُحسنين الذين يبنون المساجد أن يَعُوا أن وظيفة المسجد ليست محصورة في أداء الصلوات فقط. لكن مع ذلك لا بد أيضًا من مراعاة هذه الأولويات؛ فديننا يقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جُعلت لي الأرض مسجدًا، وترابها طَهورًا»؛ فهذا يعكس أن القدسية ليست هي القدسية لأماكن الصلاة لبيوت الله تبارك وتعالى بفخامة البناء، وإنما هي بما يعمِّرها به المصلون من صلاح وخير وهُدى وعلم وقرآن وتبتُّل ودعاء وضراعة، وتنشئة وتربية على خِلَال الخير، وعلى الأدب الجميل، ومن إظهار للمعاني الإيمانية وللخلق الفاضل في هذا الدين الحنيف. هذا باختصار: كيف تُرتَّب الأولويات، ومع ذلك فإننا -كما تقدَّم- أيضًا نجد أحيانًا أن الناس -للأسف الشديد، وهذا نلحظه- أصبحوا يعدّون عمارة بيوت الله تبارك وتعالى وجاهة دنيوية، فإذا بهم -للأسف الشديد- يتنافسون، لا لمقصد إلا لهذه التنازع على هذه الوجاهة الدنيوية، ولا ريب أن هذا القصد مُبطِل للعمل والعياذ بالله؛ نسأل الله تبارك وتعالى السلامة، فليحذر هؤلاء من أن يشوب مقاصدهم شيء من مقاصد السوء هذه؛ فبيوت الله تبارك وتعالى هي مساجد، وهي بيوت اختصَّها لنفسه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ، فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، ومن أحسن بنيّة خالصة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى لله بيتًا بنى الله له بيتًا مثله في الجنة». فليصحح مقصده، حينئذ سيراعي الأحكام الشرعية؛ فليس له أن يُضارَّ مسجدًا قائمًا بأن يبنيه قريبًا منه، أو أن يتعمد مضارته، وليس له أن يبتغي به مقاصد دنيوية، وإنما عليه أن يبنيه قاصدًا وجه الله تبارك وتعالى حينما تحتاج المحلة، يحتاج أهل مجتمع من المجتمعات إلى مسجد يؤدون فيه فروضهم، ويحققون فيه رسالة المسجد، فحينئذ تكون هذه النفقة في محلها. لكن العَتْبَة هنا -فيما يظهر- هي في هذا الجانب: أن يتخذ الناس عمارة البيوت -كما تقدم- وجاهة دنيوية يتآلبون عليها ويتنافسون فيها، ويطرحون وجوه البر والإحسان الأخرى التي يحتاج إليها المجتمع. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢١‏/٦‏/٢٠١٧👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 26 رمضان 1438 هـ HD

الزكاة والمجتمع المسلممسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

التبرع لمستلزمات المساجد

2 👁

هل أجر التبرع للمسجد في الأشياء المتحركة كالتكييف والإنارة والفرش وأجور العمال، كأجر التبرع للمواد الثابتة كبناء المسجد نفسه وربطه بالصدقة الجارية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٤‏/٢٠٢٣

ترتيب أبواب التبرع

2 👁

كيف يرتب المسلم أولويات التبرع والصدقات النفلية عندما تتزاحم عليه أبواب الخير خاصة في رمضان وقدرته المالية محدودة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٦‏/٣‏/٢٠٢٤

المبالغة في بناء المساجد

3 👁

هل المبالغة في تشييد مسجد كبير مكلف لمنطقة قليلة السكان إسراف، وهل الأولى صرف المال لمساجد أو مشاريع في دول فقيرة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

التبرع من مال المسجد

4 👁

هل يصح التبرع من أموال المسجد للفقراء والمحتاجين، وكيف تُصرف أوقاف المساجد إذا وُجد فائض؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٩‏/٤‏/٢٠٢٣

المبالغة في بناء المساجد

1 👁

هل يعد بناء مسجد كبير بتكاليف عالية في منطقة لا يحتاج أهلها إلى هذا الحجم من البناء نوعاً من الترف، وهل الأولى ترشيد هذه النفقات وبناء مساجد أو مدارس في بلدان فقيرة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٤‏/١٢‏/٢٠١٥

التصدق وبناء مسجد عن الميت

4 👁

هل تدخل المساهمة في بناء مسجد وجعل ثوابه لشخص معين ضمن الصدقات التي يُنفع بها الميت؟

👤سعيد بن مبروك القنوبي
٣١‏/٥‏/٢٠١١