⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد؛ فإن معنى الاحتفال بذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم عليه الصلاة والسلم أن تُجدّد هذه الأمة ذكرى ميلاد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن تراجع رسالته وما جاء به من شريعة، وأن تُقَلِّب صفحات سيرته العطرة الزكية لتنظر في منزلته عند ربه جل وعلا أولًا، فهو أكرم الخلق على الإطلاق، وهو خير الخلق عند الله عز وجل، سيد الأولين والآخرين، إمام الأنبياء والمرسلين، النبي المصطفى الخاتم الذي بعثه الله تبارك وتعالى رحمة للعالمين، فرفع ذكره وشرح صدره وأعلى منزلته بين الأمم.
وتنظر بعد ذلك في صلتها بكل هذا الميراث الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مهيمنًا على محاسن الشرائع قبله، وكيف صنعت في هذا الميراث، كيف تفاعلت نفوسها مع ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، وكيف أدّت رسالتها في هذه الحياة؛ هل بعثت النور الذي جاء به في أرجاء هذه الحياة؟ هل بدّلت ظلمات الجهل والظلم والطغيان والغَوْا عن مناحي هذه الحياة؟ هل أرست مبادئ العدل والقسط والرحمة والمساواة والإنسانية والصلة الوثقى بالخالق جل وعلا لدى هذا الإنسان؟ ماذا فعلت في علومها ومعارفها، ماذا فعلت في صلتها ببعضها البعض وفي صلتها مع الآخرين، كيف هو بناء الأسرة عندها؛ هل التزمت فيه بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام وبما أرشد إليه؟ كيف هي في كل شأن من شؤون حياتها حينما تقارن أوضاعها بما جاءها به محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب العزيز الخالد، من القرآن المجيد، ومن سنته القولية والفعلية الثابتة الصحيحة عنه صلى الله عليه وآله وسلم؟
إذاً أمثال هذه الذكريات التي تمر بأمة الإسلام حَرِيَّة أن تكون محطات تقف فيها هذه الأمة أفرادًا وجماعاتٍ ومجتمعاتٍ وأوطانًا وأمةً مع نفسها لتنظر في كل ما تقدم وفيما سواه، شريطة ألا تحصر ذلك في ذكريات فارغة لا روح لها، لا تأخذ منها عبرًا ولا عِظات، لا تستفيد منها دروسًا ولا حِكَمًا، وإلا فإنها لا تعدو أن تكون مجرد إطراب لهذه النفوس وإثارة للعواطف لا تلبث أن تغور بعد أن تثور، ولا يكون لها من بعدُ أيُّ أثرٍ في واقع حياة المسلمين ولا في واقع حياة الناس جميعًا.
ولذلك فإن معنى الاحتفاء بذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ينطوي على كل ما تقدم، ولا يصح بحال من الأحوال أن يكون مجرد ذكرى فارغة خالية من العِبَر والعِظَة والدروس والمراجعة وتقليب صفحات ما يمكن أن تنتفع منه هذه الأمة، ما يمكن أن تستفيده من ماضيها لحاضرها، وأن تصل مجد الماضي بواقعها الذي تمر به أو يمر بها، وأن تجدد أوضاعها، وأن تجدد فيما يتعلق بدينها كما أُرشدت عليه الصلاة والسلام؛ لتنفي عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ولكي تنطلق في انبعاث حضاري يشهده الإنسان أينما كان هذا الإنسان.