⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾.
ما يتعلق بالانفجار العظيم صارت حقيقة مقبولة علمياً تُفسَّر بها بداية نشأة الكون، وهي متوافقة تماماً مع معنى هذه الآية الكريمة، ولذلك فإن كثيراً ممن اشتغل بالإعجاز العلمي فإنه يستشهد بهذه الآية في سياق التعرّض لحقيقة الانفجار العظيم التي بها تكوَّن الكون.
بقي أن هذا لا يعني أيضاً –أقول– الخوض في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم دون ضوابط أو قيود، والتعجّل في هذا الأمر، وإقحام نصوص قرآنية أو نصوص من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل تفسيرات، في تأويل نظريات لم تثبت بعد لتكون حقائق علمية؛ فطالما أنها لا زالت مجرد نظريات فلا يصح إقحام آيات الكتاب العزيز في تفسيرها أو في حملها على ما تدل عليه تلك النظريات.
لكن فيما يتعلق بهذه القضية تحديداً فإنها صارت حقيقة علمية مقبولة في الأوساط العلمية، وهي مدخل مناسب جداً لبيان عظمة الخالق؛ لأن الأصل أن أي انفجار، صغيراً كان أو كبيراً، يولِّد حالة من الفوضى، لا يمكن لأي انفجار أن يأتي بنظامٍ وإبداعٍ وجمالٍ وتناسقٍ وتناسب، أما هذا الانفجار العظيم الذي نشأ به هذا الكون بهذا الانضباط والاتزان والنظام والنسق والجمال والإبداع، فهذا دليل على أنه من الخالق الحكيم المبدع سبحانه وتعالى.
... إلى اليوم لا يزال كبار الملاحدة الذين يسندون نشوء الحياة إلى الطبيعة أو إلى الصدفة، فإن الذي يُشكل عليهم أكثر هو هذا التناسب في هذا الكون، هذا الانضباط في حركة الأجرام السماوية وفي حركة الأجرام الدقيقة بالغة الدقة، هذا النسق والنظام العجيب المتناسب هو الذي يحرجهم، لا يجدون له أجوبة.
ورأيت أنا كثيراً من المناظرات بين رجال كنيسة وبين ملاحدة، وكلا الطرفين ينتسب إلى أوساط علمية مرموقة، نعم، لكن إذا وصل الحال إلى هذه القضية فإن الملاحدة لا يحيّرون جواباً، بالإضافة إلى ما يتعلق بعالم الإدراك والوعي والروح.
وهذه الإشارة في كتاب الله عز وجل... نحن أحياناً نُبسِّط الأشياء؛ في الحوار الذي دار بين إبراهيم ومن آتاه الله الملك، فلما قال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ؛ هنا لا يصح لنا أن نأخذ فقط أن هذا مجرد اعتراض بسيط سطحي من إبراهيم الخليل عليه السلام لهذا الطاغوت، بل هذا اعتراض غاية في الدقة، وإلى يومنا هذا هذا من أهم الاعتراضات، والمقصود هو تغيير نواميس هذه الحياة: من الذي أوجد هذا الانضباط في قوانين الحياة ونواميسها؟
فإذا كنتم تقولون إنها من الطبيعة أو من الصدفة أو من قوى أخرى، فغيّروا هذا النسق، ائتوا بشيء مخالف لها؛ إذا كانت الشمس تطلع من المشرق فاجعلوها تطلع من المغرب، أي غيّروا في أنظمة هذه القوانين. فالقوانين بنفسها ليست هي التي أوجدت الموجودات، وإنما هذه الموجودات لها موجِد، وهذا الموجِد جعل لها حركة، جعل لها قوانين في وجودها وفي حركتها وسيرها وانتظامها.
والله تعالى أعلم.