⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإن تفسير كتاب الله تعالى يتوقف على النظر في سياق الآية التي تفسَّر، وما سبقها وما لحقها؛ إذ معاني القرآن إنما تُستلهم من السياق، وتستلهم من النظر في بقية الآيات أيضًا حتى تُربط هذه الآيات ويربط بعضها ببعض، فتكون وحدة متكاملة.
وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ إنما هذه الآية الكريمة مسبوقة بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 66-71].
سبق الكلام فيما يتعلق بإنكار المعاد ومجادلة الذين يجادلون في هذا الأمر، ويستبعدون أن تكون قدرة الله سبحانه وتعالى شاملة لإرادته لرد الإنسان بعد موته إلى الحياة مرة أخرى. سبق هذا يدلنا على المخاطَب بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فإن الخطاب هاهنا إنما هو لمنكري المعاد، منكري البعث؛ هؤلاء الذين أنكروا البعث.
وقد كان السياق يقتضي أن يقول سبحانه وتعالى: «وإن منهم إلا واردها»، ولكن بدلًا من أن يكون الضمير ضمير غيبة كان الضمير ضمير خطاب؛ لأن هؤلاء بعد ما حُكي ما حُكي عنهم من عنادهم وكفرهم وإصرارهم على ما هم عليه، بعد هذا كله وُجِّه الله تعالى إليهم هذا الخطاب الذي فيه هذا الوعيد الشديد: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾. وهذا أسلوب معروف عند العرب يُسمى بالالتفات، وهو كثيرًا ما يتكرر في القرآن الكريم، حتى في سورة الفاتحة نفسها فيها التفات؛ فإن الله تعالى قال في بدايتها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قد كان السياق يقتضي أن يقول: «إياه نعبد»؛ لأن الوصف للمعبود، الخالق سبحانه وتعالى، كان الوصف يقتضي أن يأتي الضمير بأسلوب الغيبة، ولكن بدل من ضمير الغيبة جاء ضمير الخطاب؛ لأن الإنسان بعد أن يستحضر هذه الصفات العظيمة من صفات الله سبحانه وتعالى، وآخر هذه الصفات أنه مالك يوم الدين، لا ريب أنه يشعر بهيبة ذي الجلال، فيجد نفسه منساقًا إلى خطابه سبحانه وتعالى خطابَ الضراعة والانقياد له، وهو خطاب العبادة والاستعانة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وكذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾، والمقصود بالإنسان الكافر هنا؛ لأن المؤمن لا يقول هذا الكلام، ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ حجة على هذا الإنسان المجادل في هذا الأمر، وإقامة البينة عليه من خلقه بنفسه، كما في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 77-82].
فكذلك هنا: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾؛ هذا الإنسان الذي خُلِق ولم يكن شيئًا يذكر من قبل، كان عدمًا، وأُخرج من العدم إلى الوجود، لم يكن شيئًا، كيف يُجادل في هذا الأمر وهو خُلق من لا شيء، أُخرج من العدم إلى الوجود؟ فكيف يستحيل أن يُعاد مرة أخرى بعدما وُجد وعُدم مرة أخرى؟ كيف يستحيل أن يعاد مرة أخرى؟ هكذا يقيم الله تعالى الحجة.
﴿وَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ هؤلاء الذين يجادلون، نحشرهم، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا﴾، وأتبع ذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾، أي: وإن من هؤلاء من أحد إلا هو وارد النار والعياذ بالله.
وتدل على هذا أمور؛ منها: أن الورود في النار لا يُذكر إلا للكفر والعياذ بالله تعالى؛ فالله تعالى يقول في فرعون: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98]، فنعم، فكذلك هذا الورود هنا. وكذلك بقية الآيات التي تتحدث عن ورود النار إنما هي وعيد للكفر والعياذ بالله، ﴿وَنَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 85-86]، نعم، هؤلاء هم الذين يردون النار، المجرمون هم الذين يردون النار والعياذ بالله، لا المؤمنون.
هذا من جملة الأدلة التي تدل على هذا التفسير. وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾؛ فالإحضار لا يُذكر في القرآن الكريم إلا في حق الكفرة والعياذ بالله، في حق أعداء الله سبحانه وتعالى المستحقين للعقاب؛ فإن الله سبحانه وتعالى ذكر: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، وذكر: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾، وذكر: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾، وذكر: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾، ومعنى الإحضار: الحضور للعذاب، والآيات الدالة على هذا آيات كثيرة، التي تدل على أن الإحضار إنما هو في العذاب.
هذا كله مما يدل على أن هذا الخطاب لا يشمل المؤمنين، لا يشمل المتقين، لا يشمل البررة؛ إنما هذا الخطاب إنما هو للفَجَرة والعياذ بالله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ إنما هو خطاب للفجرة والعياذ بالله، وليس هو خطابًا للمؤمنين للبررة.
ومما يؤكد هذا المعنى ما وصف الله سبحانه وتعالى به عباده الأبرار يوم القيامة؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: 101-102]، هذا: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾، فكيف يدخلونها وهم لا يسمعون حسيسها؟ هذه كناية عن بُعدهم عنها؛ أُبعِدوا عنها بُعدًا سحيقًا بحيث لم يعودوا يسمعون لهذه النار حسيسًا قط، نعم، ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
وكذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: 30-32]؛ هؤلاء تتنزل عليهم الملائكة بالبشرى عندما يحين حينهم، عندما تحضرهم الوفاة في ذلك الوقت، وكذلك عندما يُبعثون تتلقاهم الملائكة: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾، تتلقاهم الملائكة أيضًا عندما يُحشرون، نعم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، فهو من أول الأمر تتلقاهم الملائكة بهذا.
ونحن نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن الله سبحانه وتعالى يقي عباده المؤمنين يوم القيامة حتى الخوف؛ هذا هو الذي يدل عليه القرآن، دعنا من رواية عبد الله بن عباس التي جاء فيها: إن كل الأنبياء قالوا: «نفسي نفسي»، حتى إنهم عزوا إلى المسيح عليه السلام أنه قال: «لا أسألك اليوم يا ربي إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني»؛ هذا كلام بعيد، هذا كلام لا يتفق مع دلالة القرآن؛ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]، الخُلَّة بين المتقين باقية، فكيف عيسى بن مريم لا يسأل حتى عن مريم عليها السلام؟ كلام بعيد هذا.
وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾، والله سبحانه وتعالى بيَّن كيف يوم القيامة يكون الأمن؛ ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: 87]، السياق نفسه بيَّن: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 87-89]؛ هؤلاء الذين جاءوا بالحسنة هم الذين يأمنون في ذلك اليوم، من جاءوا بالحسنات وكانوا تائبين من كل السيئات، لم يأتوا بأوزار من السيئات؛ هؤلاء هم الذين يأتون آمنين في ذلك اليوم، هم الذين استثناهم الله سبحانه وتعالى، نعم: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾؛ هؤلاء هم الذين يشاء الله سبحانه.
السياق نفسه يدل على ذلك، وكذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [فصلت: 40]؛ فمعنى ذلك أن من لا يُلقى في النار فإنه يأتي آمنًا يوم القيامة، كل من أُلقي في النار هو غير آمن، وكل من وُقي شر النار والعياذ بالله فهو آمن يوم القيامة؛ ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيَامَةِ﴾.
والآيات التي نصت على أن هؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لا يعني عدم الخوف أنهم لا يخافون في الدنيا؛ هم في الدنيا تضطرم قلوبهم من خوف الله سبحانه وتعالى، وأما عدم الخوف فإنه يوم القيامة، وكذلك الحزن يأتيهم في الدنيا، وإنما يوم القيامة لا يحزنون أبدًا.
فإذاً كذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ إنما هو في هؤلاء.
وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قد يتعلق متعلِّق بـ«ثم» هنا بأنها تدل على المهلة، ومعنى ذلك أن تنجية هؤلاء بعد ما يصلون النار إلى آخره. هذا أيضًا يجب أن يُفكَّروا: كيف تأتي «ثم»؟ «ثم» عندما تعطف الجمل غالبًا ما تكون للمهلة الرتبية، لا تكون للمهلة الزمنية، نعم، هذا هو الغالب على «ثم» عندما تعطف الجمل، وشواهد ذلك في القرآن كثيرة، وكذلك في كلام العرب، حتى إن من علماء العربية من نصَّ على أنها لا تأتي عندما تكون عاطفة جملة على جملة إلا للمهلة الرتبية، لا تكون للمهلة الزمنية، كما هو في شرح ديوان الحماسة، وهذا الذي أيده العلامة ابن عاشور من علماء العربية النابغين من المتأخرين في تفسير «التحرير والتنوير».
ونحن نقول: قد تفيد المهلة الزمنية، ولكن أكثر ما تكون تفيد المهلة الرتبية، ومن شواهد كون «ثم» للمهلة الرتبية قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 11-17]، نعم: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ وكونه من الذين آمنوا سابق على كل ما تقدم من وصفهم بأنهم يقومون بفك الرقبة والإطعام، وإلا فلا قيمة لفك الرقبة ولا للإطعام، إنما هذا لا بد من أن يكون مسبوقًا بالإيمان، فالإيمان سابق، وليس الإيمان متأخرًا عن هذا.
وكذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: 71-72]؛ هذا جاء في سورة الحجر وفي سورة ص، جاء ما يدل على أن الله أخبر الملائكة قبل خلق الإنسان بأنه خالق بشرًا من طين، وأمرهم الأمر السابق: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾، «إذا» تدل على الاستقبال، فالتسوية في المستقبل، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: 11]؛ نعم، «ثم» جاءت هنا، مع أن آية الحجر وآية صاد دالتان على أن قول الله سبحانه وتعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ سابق على وجود آدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾؛ فـ«ثم» هنا للمهلة الرتبية وليست هي للمهلة الزمنية.
ومن شواهد كونها للمهلة الرتبية، وليست المهلة الزمنية في هذا السياق نفسه، في سياق آيات مريم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: 70]؛ نعم، في هذا السياق: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ﴾، هل علم الله تعالى متأخر؟ وإنما علم الله سابق، العلم الإلهي أزلي كان قبل كل شيء.
وبالجملة: هذا التفسير هو التفسير الصحيح، التفسير الذي ذكره ابن جرير الطبري في تفسيره عن جماعة من علماء السلف، وعوَّل عليه جماعة من محققي المفسرين؛ من المتقدمين الفخر الرازي عوَّل على هذا التفسير، وكذلك من المتأخرين الشيخ طاهر بن عاشور عوَّل على هذا التفسير، فهذا التفسير هو الذي يجب أن يُؤخذ به ولا يُعدل عنه؛ لأن الآيات إذا جُمعت وجدناها تدل على هذا المعنى ولا تدل على غيره، فيؤول على هذا التفسير وحده.
نأتي إلى مصطلح النجاة:
نعم، أما بالنسبة إلى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ النَّارِ﴾ [الأنبياء: 69]؛ أي أنجاه من إحراقها له، نعم، وطبعًا نجاه الله سبحانه وتعالى من إحراقها لا ما أحرقتْه، نعم.
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]؛ فالتنجية إنما كانت تنجية من الإحراق، لا من مجرد الوقوع في مكان النار؛ فقد تكون النجاة من الشيء بعد الوقوع فيه، ولكن مهما كان فإن هذه الآية تدل على أن المتقين منجَّون من أول الأمر، لا يصلون النار ولا يحومون حولها؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
الحمد لله.