⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما الاعتكاف فهو فضيلةٌ مرغبٌ فيها من حيث ذاته، هو من الفضائل المرغَّب فيها التي حرص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وداوم، لا سيما في شهر رمضان؛ فقد اعتكف في العشر الأوائل منه، ثم اعتكف في العشر الأواسط، فأُوحي إليه أن الذي تطلب أمامك –وهو يطلب تحرِّي ليلة القدر– فاعتكف في العشر الأواخر من رمضان، وثبتت مشروعيته أيضا في كتاب الله عز وجل، فهو عملٌ من أعمال البر المندوب إليها، التي فيها ثواب عظيم، وفيها يتحقق للمعتكف تزكيةٌ لنفسه، وصفاءٌ لذهنه، وقربٌ من الحضرة القدسية من خلال أذكاره وتلاوة آيات كتاب الله عز وجل، والتنفل بما يستطيع من الصلوات والأذكار والأدعية وغيرها، فهي تعين –لا شك– على صفاء النفس وتنقيتها ومراجعتها ومحاسبتها، والإكثار من أعمال البر ومن طلب العلم ومن تلاوة كتاب الله عز وجل وتدبر آياته.
بقي أن للاعتكاف شروطًا، وهذه الشروط لا يكون الاعتكاف اعتكافًا شرعيًّا صحيحًا إلا بها. قد نتحدث عن كل شروط الاعتكاف في وقت لاحق، لكن الذي يعنينا اليوم هو شرط المسجد؛ فالاعتكاف يكون في المساجد: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما اعتكف إلا في مسجد.
وحينما أرادت نساؤه الاعتكاف، فإنه –عليه الصلاة والسلام– حينما نوى الاعتكاف، فدخل المسجد، فوجد أخبية: خِباء لعائشة، خِباء لزينب، خِباء لصفية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم –كما في رواية مسلم–: «آلبرَّ تُرِدْنَ؟» فأمر بقَوْضِ الخباء؛ لأنه رأى أن نساءه أتين إلى المسجد أيضا، ونُصبت لهن أخبية. محل الشاهد: أن اعتكاف المرأة يكون أيضا في المسجد بدليل أصل معنى الاعتكاف، وبدليل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه.
لكن موضع الشاهد في قوله: «آلبرَّ تُرِدْنَ؟» حينما رأى أنهن نَصَبْنَ أخبية في المسجد؛ والخِباء يكون له عمودان أو ثلاث تُقام عليه، وتكون المرأة داخله، فهو سِترٌ لها، ويتحقق أنه في المسجد.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم –كما قال الشراح– خشي أن يكون ذلك بسبب الغيرة، أو أيضا أن تكون نساؤه –عليه الصلاة والسلام رضي الله تعالى عنهن– قد خرجن أيضا إلى المسجد، وكان مقصودُ الاعتكاف أن يعتزل الرجلُ النساءَ حالَ اعتكافه؛ لأنه يُمنع من غشيان النساء حال اعتكافه ولو في ليالي رمضان: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فلما أتته نساؤه إلى المسجد فات هذا المقصود –مقصود الاعتزال– من أجل تحقيق مقصود الاعتكاف، فصارت نساؤه معه في المسجد.
ومنهم من يقول: إن الدافع الذي دفع نساءه إنما كان متابعةَ الرسول صلى الله عليه وسلم، أردن أن يتَّبِعن ويتابِعن؛ ولذلك أمر بتقويض الأخبية.
أما ما ذكرته –ما يتعلق بحثِّ النساء مطلقًا دون ضوابط أو قيود– ما حصل هذا فيما أذكر، وإنما ذكرتُ شروط الاعتكاف، وذكرت أنه –مع النساء في واقعنا اليوم– لا بد أيضا أن تتوفر في المسجد شروط الأمن والأمان؛ لا بد من ذلك؛ أما أن تُترك الأمور دون ضوابط تحفظ أمنَ المعتكفين وأمانَهم –رجالا ونساء– لكن في حالة النساء على وجه الخصوص الأمر ألزم، فلا ينبغي ذلك؛ هذا يكون من التفريط ومن التهاون.
أما ما هو الحكم لخصوص النساء وعمومِهنّ؛ فلا ريب أن هذه فضيلة، أن الاعتكاف من الفضائل؛ أما قيام المرأة بشأن تربية أولادها وبحقوق زوجها فهذه من الواجبات؛ ولا يكون اعتكاف المرأة إلا بإذن زوجها، لا يصح لها أن تعتكف إلا بإذن زوجها، وهذا شرط أصيل لا يمكن التغاضي فيه؛ فلا تعتكف المرأة إلا بإذن زوجها؛ إذا كانت لا تصوم وزوجُها حاضر، لا تصوم نفلا وزوجها حاضر إلا بإذنه –كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم– فمن باب أولى أن يكون الاعتكاف كذلك لا يصح إلا بإذن من زوجها.
وعليها هي أن تُراعي أولوياتها؛ فإذا كان لديها طفل أو أطفال محتاجون إليها ولا راعي لهم، وزوجُها أيضا –إذا كان زوجُها محتاجا إليها– ففي هذه الحالة قيامُها بحقوق زوجها وحقوق أولادها، وحسنُ رعايتها لهم وتربيتِها وأداؤها لحقوقهم ألزمُ في حقها من أن تتنفَّل بالاعتكاف.
والأسرة هي التي تُقرِّر ذلك؛ أما أن يكون الأمر هكذا لمجرد ثبوت أن الأمر الفلاني فضيلة، فهذا يعني اطراح سائر الشروط والضوابط والقواعد؛ فهذا لا يقول به عاقل.
والله تعالى أعلم.