مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

خطاب الإسلام للبشرية

هل البشريّة كلّها مخاطبة بالإسلام، وكيف يهتدي الناس إليه مع تعدد الأديان والملل واختلاط الثقافات وتشوّش الصورة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم. أما بعد: فالجواب هو أن الدين الحق ظاهر المعالم، بين الحجج، ساطع البراهين، ولئن كان هناك في عالم اليوم – كما هو الشأن في تاريخ هذه البشرية – ضلالات أديان وتعدد ملل، فإن تبيّن الحق منها ليس بالأمر العسير. ويبدأ ذلك بالعودة إلى مصدر هذا الدين الذي يتبعه هذا الإنسان، ما مصدره؟ هل يمكن تتبع مصادره؟ وهل مصدره مصدر إلهي أو أن مصدر هذا الدين مصدر بشري؟ فالخطوة الأولى لفحص ما يزعم الناس أنه دين ينتسبون إليه وأنه صواب وحق، وأن ما عداه باطل، تبدأ بمراجعة مصدر هذا الدين الذي ينتحلونه، فإن كان له مصدر حُدِّد هذا المصدر وتبينت أدلته، فكل مصدر لا بد أن تتبين وتتبع هذه الأدلة التي تثبت أن هذا الدين يعود ويرجع إلى هذا المصدر، فإن عُدم الدليل فهذا يعني أن المدلول باطل، نعم، إن لم يمكن تتبع هذا الدين بمصادره التي يزعم أنه ينتسب إليها، فلا أدلة، لا آثارة من علم، ولا أدلة عقلية ولا نقلية يمكن أن تثبت مرجعية هذا الدين ومصدريته، فإنعدام الدليل يعني أنها مجرد دعوى فارغة، نعم، لا برهان لصاحبها عليها، فيسقط مثل هذا الدين، وهذا أمر ليس بعسير. ولنفترض أنه أمكن إثبات مصدرية هذا الدين الذي ينتسب إليه أحد البشر أو مجموعة أو طائفة أو أمة من البشر، فيأتي الأمر الثاني، وهو الدين نفسه، ما صفة هذا الدين، ذات هذا الدين؟ هل يشمل كل الوجوه التي يحتاج إليها الإنسان فردا وجماعة وأمة وبشرية؟ هل يلبي حاجات هذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا؟ هل يتناول كل اهتماماته وقضاياه؟ هل يوازن بين هذه المطالب، ويضع منهاجا ونظاما تشريعيا واجتماعيا وخُلُقيا؟ ما صفة هذا الدين؟ يتعرف عليه من ذاته، فيُفحَص ويوضع تحت الدراسة والبحث والتحري والتمحيص، فإن كان لا يصلح أن يكون دينا أصلا؛ لأنه لا يلبي حاجات هذا الإنسان، أو لا يوازن بين مطالبه، أو لا يشمل نظاما شاملا لهذه الحياة صالحا للبشر في مختلف أعصارهم، سقط الانتساب إليه، لأن هذا ما هو إلا هوى من وضع بعض البشر أو تواطؤهم عليه، نعم. فالدين – زِيْن – لا بد أن يكون صالحا ليكون قِوامَ الحياة ولتلبية حاجات الناس أفرادا وجماعات، ولِوَضع نظام متكامل متزن يحقق هذه المطالب التي يسعى إليها بنو البشر؛ يُجلب لهم الخير والصلاح والرشد، ويَنفي عنهم الفساد والباطل والظلم والبغي والعدوان، ويؤسس حياتهم على نظام تشريعي متكامل، وعلى نظام اجتماعي عادل، وعلى منظومة خُلُقية قِيَمية رفيعة عالية، يضبط لهم حقوقهم وواجباتهم، ويتأتى فيه أن يحصل الفرد على رغباته ومطالبه باعتدال واتزان، والجماعة كذلك، والدول، الأوطان، والأمم، والبشرية. الآن عندنا دليلان: دليل المصدر، نعم، ثم دليل الذات، الدين نفسه. بقي – إن جاوز هذا الذي وُضِع تحت الدراسة والبحث كل هذه المراحل – يُنظر: هل أمكن تطبيقه أو لا؟ هل كان مجرد نظريات لا يمكن تطبيقها في أرض الواقع؟ كانت مجرد أوهام وأحلام من واضعيها كانوا يتمنون أن لو وجدت طريقها للتطبيق والتنفيذ، ولكن ذلك لم يحصل أبدا في تاريخ بني البشرية في أي مرحلة من مراحل بني الإنسان، نعم، أو أنه أمكن تطبيقه، وظهرت نماذج لتطبيقه، وكان التطبيق موافقا لما يدعو إليه هذا الدين من مقاصد وغايات، نعم، لما يزعم أنه سيحققه لبني البشر، فكان التطبيق مثبتا لصحة الدين وصدقه، ولأنه حق في مصدره وفي ذاته، ولأنه متناول لهذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا في مختلف أطوار حياته وحيث ما كان هذا الإنسان، نعم. بهذا المنهج القائم على فحص هذه الأدلة الثلاثة لا يبقى إلا الإسلام، نعم؛ أكثر هذه المزاعم من الملل والشرائع والأنظمة الوضعية أو ما تُسمَّى بالأديان تقف عند الدليل الأول: لا مصدرية لها، نعم، وإن كان لها مصدرية – كأن تكون من الملل السماوية التي أوحى الله تبارك وتعالى بها إلى أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام – فإثبات صلاحية بقائها إلى يومنا هذا، نعم، هو الذي سيكون وجه الخلل فيها؛ لأنها لَبِنات هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ما جاؤوا إلا بالإسلام، نبيّا بعد نبي، ورسولا بعد رسول، نعم، جاؤوا بتوحيد الله عز وجل، والأمر بعبادته وحده جل وعلا مع اختلاف شرائعهم، فكل رسالة منها تُفضي وتؤكد ما يأتي بعدها، والتي تأتي بعدها تصدق ما قبلها، وهكذا إلى أن جاءت الدعوة الخاتمة، دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فالمنصف – حتى عند الدليل الأول في الملل السماوية السابقة – سيصل حتما إلى إثبات صدق الإسلام ودعوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته إن كان منصفا، وإلا فإن الخلل سيأتي في الدليل الثاني، وهو فحص الدين نفسه من داخله: ما الذي يشتمل عليه، ما الذي يتناوله، ما مقاصده، ما أهدافه وغاياته؟ ثم من خلال الدليل الثاني سيثبت: إن كان فعلا يمكن تطبيقه، وأنه من مصدره، وأنه حجة، وأنه صالح للتطبيق، وأنه يسعى إلى المقاصد والغايات التي رسمها لأتباعه، لن يبقى – كما تقدم – إلا هذا الدين الحنيف، نعم. فلنحمد الله تبارك وتعالى على هذه النعمة العظيمة، وعلى هدايته جل وعلا لهذه الأمة بأن أكرمها وجعلها من أمة خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعل دينها قائما على الدليل والبرهان، وعلى الحوار والمجادلة، وإقامة الأدلة ونصب البراهين، ولها مما يثبت صدق الدين وأنه الحق من عند الله تبارك وتعالى الكثير من الأدلة والبراهين. وإنما حاولت تبسيط الموضوع، نعم، بذكر منهج واضح، لأن كثيرا من الناس اليوم يسألون مثل هذه الأسئلة، ويزعمون أن الذي نشأ في بيئة غريبة قد لا تتاح له إمكانية التعرف على هذا الدين الحق، وقد يقتصر على ما ورثه في البيئة التي نشأ فيها، نعم، وهذا أيضا مما يُفحَص به الدين: هل تناول أمثال هذه الأحوال أو أنه أغفلها وأهملها؟ نعم. فإذا بنا نجد أن الإسلام تناول هذه الأحوال، وبيَّن لنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم قائلا: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]، نعم. ولما حكى عن مصير الكافرين وبيَّن أنهم في جهنم – والعياذ بالله – قال: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ • قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: 8-9]. والله تبارك وتعالى يقول أيضا معرِّفا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأمته المخاطَبة بالقرآن – أمة الدعوة – بقوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: 164]، لم يحكِ لنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم قصص كل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام بنص هذا، بنص كتاب الله عز وجل، الدليل والمصدر الذي نستقي منه هذا الدين الذي خوطب به. الدليل الثاني لمصدرية هذا الدين، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يُخاطَب بأن طائفة من الرسل لا يُعرَف أخبارهم، قال: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾. وهو عليه الصلاة والسلام يقول: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة – أي أمة الدعوة – نعم، ثم قال: يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار». والمقصود بالسماع: أي سماع التبيُّن والتعرُّف، نعم، السماع الذي تقوم به الحجة، نعم، وليس أن يسمع أيَّ خبر، أو أن يسمع ما هو ضلالات وتحريف لحقيقة هذا الدين، وإنما – كما بيَّن أهل العلم – فإنه يكون مكلَّفا بما تقوم به الحجة بالعقل، نعم، من التعرف على الخالق الواحد، على صفاته اللازمة له جل وعلا، وتنزيهه عما لا يليق به، الحاصل ما تدركه العقول، وأما ما يتعلق بالشرائع والسمعيات فإنه لا بد فيها من المبلِّغ، لا بد فيها من قيام الحجة بالسماع الذي تقوم بمثله الحجة على أمثالهم، نعم. فبهذا يكتمل فهمنا لحجج هذا الدين وبراهينه، وموقفنا ممن لم يسمع بهذا الدين، أو ممن سمعه مشوَّها محرفا عن حقائقه، على أن عقيدة هذا الدين أيضا أغنتنا عن الاضطراب والقلق من مثل هذا الشأن؛ فإن إيماننا يحتِّم علينا أن نصف ربنا تبارك وتعالى بصفات الكمال المطلق، بصفات الجلال والجمال، بصفات الكمال، فهو جل وعلا الحكيم، نعم، وهو العدل، وهو المالك الرب سبحانه وتعالى، كما هو الرحمن الرحيم، نعم، الغفور، وهذه الصفات يجب أيضا أن ننزِّهه جل وعلا عما لا يليق به من صفات الظلم والبغي وغيرها بنص كتاب الله عز وجل؛ فهو جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، نعم. فكل هذه الأمثلة والبيان مشتمل عليها في هذا الدين، في نصوصه، في مصادره، وفي ذاته وماهيته وحقيقته، نعم، كما في تطبيق المسلمين له. فليأتِنا غيرنا بمثل هذا لننظر فيه، وأنى لهم أن يأتوا بمثل هذا! كما قلت: سيفشلون في الأمر الأول نفسه، في الدليل الأول: دليل المصدرية، نعم، فضلا عن الدليل الثاني الذي هو دليل الذات، فضلا عن الدليل الثالث الذي هو دليل التطبيق وإمكان العمل به وتحقيق المقاصد والغايات التي رسمها لأتباعه فتتحقَّق في أرض الواقع؛ سنجد أن هؤلاء باطراد، دون استثناء، ستجد أن التطبيق يخالف تمام المخالفة، بل يناقض تمام المناقضة ما يزعمونه وينتحلونه للملل والشرائع والأنظمة التي ينتسبون إليها، نعم، لا في الأخلاق، ولا في المنظومة التشريعية، ولا في علاقاتهم بالآخرين، ولا في الحقوق والواجبات، ولا في العلاقات الدولية، ولا في قضايا الحرب والسِّلم، ولا في قضايا الجوار، ولا في شيء من ذلك أبدا، نعم. فلا يبقى إلا هذا الدين، فليطمئن المسلم، وليؤدِّ رسالته في هذه الحياة بنشر هذا الدين وإيصاله إلى الخلق أجمعين، وبالتعرُّف عليه وفهمه وفقهه الفهم الذي يعينه على إبلاغه للناس وأداء هذه الرسالة في العالمين. نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذلك. …
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٧‏/٣‏/٢٠٢٦👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 17 رمضان 1447 هـ

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

لماذا خلق الله الإنسان

2 👁

لماذا خلق الله الإنسان وماذا يريد الله تعالى منه في هذه الحياة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/١‏/٢٠٢١

اختلاف المسلمين في الفهم

2 👁

هل يمكن للمسلمين الذين استجابوا لرسالة الإسلام أن يختلفوا في فهم النصوص مع كونهم أمة واحدة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٧‏/٥‏/٢٠٢٠

خطاب للمجتمع والمسؤولين

2 👁

ما الخطاب الذي توجهونه إلى المجتمع والمسؤولين بمختلف مستوياتهم من أجل احتواء مثل هذه الظواهر وهدمها وإزالتها من المجتمع؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٦‏/٨‏/٢٠١١

وحدة الأمة مع اختلاف الفرق

4 👁

كيف نفسر كون الأمة أمة واحدة مع أمرها بالاعتصام بحبل الله مع وجود فرق ومذاهب متعددة كل يدعي الحق؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٢٦‏/٩‏/٢٠٢٢

خيرية الأمة والحضارة

2 👁

هل أمة الإسلام الموصوفة بقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تُعد من أفضل الحضارات، وكيف تنظرون إلى الحضارة الإسلامية ومستقبلها الحاضر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

حكم من لم تبلغه الدعوة

4 👁

ما مصير من لم تصلهم رسالة الإسلام أبدا ولا يعرفون عنه شيئاً، وما المقصود بقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٦‏/٨‏/٢٠١٣