⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن معنى الاستعانة التي يسأل عنها السائل هو طلب العون، وطلب العون من الله تبارك وتعالى هو بإيجاد النفع ودفع الضر، نعم، فالله تبارك وتعالى يُلجأ إليه ويُعوَّل عليه ويُستند إليه سبحانه؛ لأنه مُسبِّبُ أسبابٍ، فهو مصدر جلب كل خير، وبيده سبحانه وتعالى دفع كل ضر. وهذا المعنى هو الذي يليق باللجوء إلى الله تبارك وتعالى من العبد، نعم، فلا يصح للعبد أن يلجأ إلى غيره بهذا الاعتبار، باعتبار إيجاد الخير والنفع ودفع الضر؛ لأنه سبحانه وتعالى له الحكم والأمر وحده.
ولذلك نجد –وهذا المعنى معنى تعبدي، معنى إيماني– نجد في سورة الفاتحة أن الله تبارك وتعالى قرن بين إفراده بالعبادة وبين الاستعانة به وحده فقط، فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، نعم، ومعنى الآية: أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، نعم. وهذا الاختصاص، هذا العطف بين الاستعانة والعبادة، دليل على ما تقدم، فضلًا على أن صدر سورة الفاتحة يسوق إلى هذا المعنى، فالله تبارك وتعالى هو مصدر الخير، وبيده مقاليد كل شيء، وهو المتصرف الذي له الحكم المطلق.
ومع ذلك، وهذا المعنى أيضًا هو الذي يحمل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أُعلِّمك كلمات: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، هذا هو معنى الاستعانة المقصودة في هذا الحديث النبوي الشريف، نعم.
أما الاستعانة بمعنى طلب الأسباب والوسائل التي تعين العبد على بلوغ مبتغاه، فهذا أمر شرعه الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وعليه إجماع من أهل العلم أنه لا مانع، لدلالة هذه الأدلة الشرعية عليه، نعم. فالفارق هنا أن هذا النوع إنما هو استعانة، طلب عونٍ في أسباب، لا في إيجاد، نعم، هي وسائل وأسباب يتعاون الناس فيها بعضهم مع بعض.
ولذلك نفهم في ضوء هذا المعنى قوله تبارك وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فـ «تعاونوا» أي ليُعن بعضكم بعضًا، فهي كذلك من العون ومن طلب العون، نعم. والله عز وجل أرشدنا إلى بعض هذه الوسائل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، فأمر أن نستعين بالصبر وأن نستعين بالصلاة على قضاء حوائجنا، نعم.
نجد أيضًا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معنى خُلقيًّا ساميًا يدفع المؤمن إلى أن يكون معوانًا لإخوانه، نعم، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، نعم، فهو معنى حبيب إلى الله تبارك وتعالى؛ أثنى الله عز وجل على أولئك الذين هم في عون إخوانهم، وكافأهم بأن كان هو سبحانه وتعالى في عونهم. وهذا المعنى أيضًا يتأكد في أحاديث أخرى كقوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، نعم، وهذا مأخوذ أيضًا من كتاب الله عز وجل حينما قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، فإن من معاني الموالاة: النصرة، والعون، والدعاء، هذه كلها من معاني الموالاة بين المؤمنين.
فلا تناقض بين هذه وتلك؛ ولذلك فإن طلب يوسف عليه السلام أن يذكره هذا السجين حينما يخرج عند سيده هو من هذا النوع، من نوع الأسباب والوسائل التي أباحها الله تبارك وتعالى وشرعها لعباده.