⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما اقتران مكارم الأخلاق بالعلم والإيمان، فهذا ظاهر في أجلى صوره فيما وصف به ربنا تبارك وتعالى نبيه الكريم حينما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فإن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله، الذي بُوِّئ هذه المنزلة، جعل خُلُقه دليل صدق للقرآن، إلى هذا الحد أثَّر هذا الوصف الشريف الباذخ الذي وصف به ربنا جل وعلا نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؛ فهي شهادة من الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فيما يظهر معاني الإيمان وحقيقته وجوهره وحسن الاستقامة والتدين لله عز وجل؛ فإنها تظهر للناس في حسن الخُلُق، ولذلك وصف خُلُقه عليه الصلاة والسلام بأنه خُلُق عظيم، ثم جعل هذا الوصف دليلا على صدق القرآن نفسه، فخُلُقه عليه الصلاة والسلام دليل صدق القرآن الكريم؛ إذ لو وُجد مطعن في خُلُقه لطُعن في هذه الآية الكريمة، وهذا يعني طعنا في القرآن نفسه، ولكن لم يوجد عاقل منصف يُقبل قوله طعنٌ في خُلُق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو من خصومه، لم يوجد.
فيكفينا أن نتبين هذه المنزلة العظيمة للخُلُق لمن كان في منزلة أعلى علما ودينا؛ فإن ذوي العلم هم أولى الناس أن يتمثلوا أخلاق القرآن الكريم، وأن يَسْتَنُّوا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وربنا تبارك وتعالى وصف نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بوصف دقيق يبيِّن أثر الخُلُق، وهو النبي المسدَّد بالوحي الذي يعرفه المسلمون، ويعرف أصحابه رضوان الله تعالى عليهم منزلته ومكانته فيهم، ومع ذلك فإنه يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]. رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ذا قلب رحيم، كان واسع الحِلم، كان في الذروة من الأخلاق، ولذلك وصفه ربه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ﴾؛ كان ليِّن الجانب لأصحابه صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، ثم بيَّن ما يمكن أن يكون عليه الحال لو لم يكن هو عليه الصلاة والسلام على هذا الخُلُق العظيم، وعلى لين الجانب ورحمة القلب بأصحابه وبأمته، فقال: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
وقد يورث الخُلُق السيئ نُفرةً عن الدين كله، وقد يورث انكفاءً عن الاستقامة والصلاح؛ ولذلك بعد هذا الجزء في الآية الكريمة يذكرهم ربنا تبارك وتعالى بالأصول والمبادئ التي لا بد أن تُراعى في إقامة أَوَدِ مجتمع المسلمين: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾، والأعجب هو ما جاء بعد هذه الآية مباشرة، قال: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160].
وهو عليه الصلاة والسلام يقول: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا»، ويقول: «إن العبد ليبلغ بحسن خُلُقه درجة الصائم القائم»، ويقول: «إنما بُعثت لأتمم محاسن الأخلاق».
أولى الناس بتمثل هذه الأخلاق العالية، والسَّمت الرفيع، والأدب الجم، هم أولو العلم المنظور إليهم، وهم ذوو المكانة التي يُقتدى بأقوالهم وأفعالهم، ويُتخذون قدوات؛ ولا بد للمجتمع من قدوات حسنة تحرص على أن تكون في الذروة من الأخلاق الرفيعة العالية، وأن يصبروا على أذى الناس، وأن يكظموا غيظهم، وأن يتحلَّوا بالحِلم، وأن يُوسِّعوا صدورهم للناس، وأن يشرحوا صدورهم لهم.
حتى إن بعض المفسرين يقول: إن في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]، شرحَ الصدر هذا هو من لوازم، هو من إعداد الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتحمُّل أعباء الوحي والتبليغ؛ فإن من كان في هذه المنزلة لا بد أن يكون واسع الأفق، منشرح الصدر، محتملا لأذى الغير، صبورا، حليما، متحليا بأعلى الخلال وأجمل الفضائل.
فهذا هو الرابط المتين الذي نجده بين العلم والأخلاق في ديننا الحنيف.
والله تعالى أعلم.