⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فان شهر رمضان موسم خير وطاعة، وشهر مبارك أعلى الله تعالى قدره ورفع منزلته وشرف مكانته، فهو الوعاء الذي يؤدي فيه المسلمون جميعا فريضة من أركان هذا الدين، وهي فريضة الصيام، كما أنه الشهر الذي أنزل الله تبارك وتعالى فيه القرآن، معجزته الباقية الخالدة.
ومن أجل ذلك فإن المسلم وهو على أبواب استقبال هذا الضيف العزيز ينبغي له أن يهيئ نفسه وأن يوطّنها لاستقباله أولا، ثم لحسن استغلاله، ثم لتوديعه بعد ذلك وقد تزود منه أعظم مغانمه وأفضل مكاسبه، ألا وهي التقوى، فإن الله تبارك وتعالى جعل غاية الصيام أن يحقق المرء في نفسه تقوى الله سبحانه وتعالى.
وأول ما ينبغي له أن يقف عنده، وهو على أبواب استقباله لشهر رمضان، أن يعتبر ويتعظ؛ فهذه الأيام تمر عليه مرّا سريعا، وينتقل المرء فيها في مراحل عمرية لا يكاد ينتبه إليها، بل يغفل عنها كثير من الناس، فنحن بين استقبالنا لرمضان المنصرم وتوديعٍ له، وبين استقبالنا لرمضان الآتي وتشوقٍ إلى لقائه، لو أن الإنسان نظر وفكّر واعتبر لوجد أن هذه الأيام التي انقضت كأنها لمْحُ بصر، وهكذا هو عمر هذا الإنسان.
فأولى ما ينبغي أن يتنبه له المسلم وهو على مشارف الدخول في هذه الطاعة المباركة أن ينتبه لعمره وأن يستغل لحظات حياته، فإن العمر قصير والناقد بصير، وعلى العاقل أن يتزود من دنياه لآخرته، وأن يغتنم هذه المواسم، وأن يأخذ منها العدة التي تبلغه رضوان الله تبارك وتعالى، والله عز وجل يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197]، ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقال في سياق حديثه عن الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
ثم بعد ذلك لينظر –حتى لا نطيل على إخواننا وأخواتنا، وقد سألتم عما يُؤتَى الناس من قِبَلِه في رمضان بين مبتداه ومنتهاه، وعن إهمالهم في وضع برامج واضحة لأنفسهم– فإنه ينبغي للمسلم أن يعد العدة التي تمكّنه من حيازة أفضل ما يستطيعه في هذا الموسم المبارك الكريم.
فإذا تهيأ نفسيا لاستقبال هذا الشهر، فليجعل غايته ومُناه أن يتزود زادا روحيا يملأ له جوانب نفسه، يوثّق صلته بالله تبارك وتعالى، ويعينه على ملاقاة نوائب الزمان بحسن تمكنه من جوارحه وسَوْقه لنفسه إلى حيث مرضاةُ الله تبارك وتعالى، فإنه إن تمكن من ذلك –والصيام يعينه على ذلك خير إعانة– فإن هذا يعني أنه يمكن له أن يضع البرنامج المناسب.
وما غاية الصيام؟ ما غاية رمضان؟ غاية رمضان أداء فريضة الصيام، والصيام يكون في نهار رمضان، فهذا هو الأمر الأظهر الأسمى فيما يتعلق بشهر رمضان: أن يهيئ المسلم نفسه لحسن الصيام، ولا يكون حسن صيامه بمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل عليه أن يمسك عن سائر محارم الله تبارك وتعالى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صوم إلا بالكفِّ عن محارمِ اللهِ».
فعلى الصائم أن يدرّب جوارحه أثناء صيامه على أن يمسكها عن كل ما يغضب الله تبارك وتعالى ويسخطه؛ في نظرِه، في بصرِه، وفي لسانِه، وفي يده، ومشيه، وسَعْيِه، وقوله وفعله، عليه أن يتحكم هو في نفسه وأن يتغلب على شهوات نفسه وأهوائها ورغباتها بالإمساك عن كل ما يغضب الله تبارك وتعالى، وأن يتعود على ذلك، حينما يمتنع عن الطعام والشراب وعن الجماع في نهار رمضان، فإنه يتربى أيضا على الإمساك عن المعاصي وعن محارم الله تعالى صغرت أم كبرت.
هذا يتحصل أكثر في نهار رمضان، لأن غاية هذا الشهر الصيام، والفرض الواجب عليه أن يصوم نهاره، إلا أن بركات رمضان ولطائفه لا تقتصر على نهار رمضان ولا على الصيام فقط، مع أن الصيام هو الفرض الواجب فيه، إلا أن الله تعالى –كما بيّن في كتابه– جعل رمضان الموسم الذي اختاره لإنزال خير كتبه، وهو القرآن الكريم، يقول سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، ولذلك يتلازم الصيام مع القرآن الكريم.