مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

طريق المريض المستقيم

ما الطريق المستقيم الذي ينبغي أن يسلكه المريض بين التعلق بالأطباء والتعلق بالله تعالى عند الإصابة بالمرض؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فلا ريب أن الصحة هي رأس مال هذا الإنسان، فبتمام صحته واكتمال عافيته يمكن لهذا الإنسان أن يطلع بما كُلِّف به من واجب العبادة لله تبارك وتعالى في هذه الأرض، وأن يسعى فيها بتعمير وتسخير ما أوتي فيها، وأن يطلع بالأمانة التي حُمِّل إياها، وأن يؤدي الرسالة التي كُلِّف بها على الوجه الأكمل والهيئة الفضلى، حينما يكون في سعة من عافية الله تبارك وتعالى في بدنه وذهنه وملكاته وكل ما أوتي إياه. نعم. وهذه النعمة التي امتن الله عز وجل بها على عباده قد تأتي أوقات فيُسْلَب إياها هذا الإنسان، فيُصاب بالمرض، وتتغيّر حالته من صحة إلى سقم، ومن عافية إلى اعتلال، وفي ذلك تذكير لهذا العبد بأن كل ما يتقلب فيه هذا الإنسان إنما هو من عند الله تبارك وتعالى مسبب الأسباب، الذي قال في كتابه الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، والذي قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51]، والذي قال مبينًا هذه السنة الماضية في خلقه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107]. ولذلك فإن الإنسان حينما يُسْلَب نعمة الصحة ويصاب بشيء من الأدواء أو الأسقام فإن الواجب عليه أن يرضى بما قضاه عليه ربه تبارك وتعالى، نعم، وأن يحسن ظنه في مولاه، وأن يجعل ما أصيب به سببًا لمراجعة النفس، ولِتَطْهِيرِ ما عليه من ذنوب؛ فإن الله قد جعل فيما يصيب به عباده سببًا لتطهيرهم من السيئات، وَلِتُكَفَّرَ ذنوبهم، كما ثبت ذلك في غير ما حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى ورد أنه حتى الشوكة يُشاكها الإنسان فإن في ذلك تطهيرًا له مما عسى أن يكون قد علق به من الذنوب والمعاصي. ولذلك فإن الواجب الأول هو أن يعلم أن الذي أصابه إنما هو بتدبير من المولى جل وعلا، وليس له أن يتسخّط قضاء الله عز وجل عليه، بل عليه أن يرضى بقضائه، ورضاؤه بقضائه لا يمنعه أبدًا من الأخذ بالأسباب؛ فإن الله تبارك وتعالى ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله، وقد أمرنا ديننا بالسعي إلى التداوي وطلب العلاج، وهذه أسباب، وإلا فالشفاء بيد الله تبارك وتعالى، ولذلك قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]. نعم. فعلى المسلم حينما يصاب بشيء من الأمراض، بعد إيمانه بأن ذلك إنما هو من الله تبارك وتعالى، ورضائه بما قدر له، وإحسان ظنه في الله عز وجل، والبعد عن اليأس والقنوط والتسخط عليه، بعد ذلك أيضًا أن يسعى إلى التداوي، فهو مأمور بأن يجلب لنفسه الخير، وأن يدفع عن نفسه السوء، وذلك يكون بجملة من الأسباب، في صدارتها أيضًا أسباب إيمانية معنوية، فإن كل شيء بيد الله تبارك وتعالى، وهو القادر سبحانه على أن يغير حالة العبد من ضعف إلى قوة، ومن مرض إلى صحة، ومن سقم إلى عافية. فعلى هذا العبد أن يطرق باب ربه ومولاه الذي بيده أسباب كل شيء، عليه أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى بهذا الإيقان، طالبًا منه الشفاء والعافية، ومستعيذًا من السقم والمرض؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل أحواله يستعيذ من السقم والعلل والعاهات، ويسأل الله تبارك وتعالى العافية في دينه وبدنه، وفي نفسه وماله، ولذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الجانب الإيماني المعنوي. نعم. وكذلك عليه قبل سعيه إلى التداوي بالعلاجات المادية وبوسائل التطبب المختلفة أن يعلم أنها أسباب، وأن الشفاء بيد الله تبارك وتعالى، لكنه مأمور بالسعي إلى التداوي، وأن الله سبحانه وتعالى كما أوجد المرض فإنه أوجد أسباب العلاج من هذا المرض، وعلى الإنسان أن يسعى إلى مداواة نفسه. ومن وسائل المداواة أو التداوي أيضًا أن يعمد المسلم إلى الاستعاذة بالله تبارك وتعالى من شر ما أصابه؛ فالمسلم مأمور أن يرقي نفسه، وأن يرقي إخوانه بما أودعه الله عز وجل في كتابه الكريم، وبما ثبت من رقى شرعية صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب، فلا يظن ظانٌّ أن سعي الإنسان إلى التداوي بأنواع العلاجات المختلفة يمنعه من أن يعمد إلى الاستعاذة وإلى الرقية الشرعية، كما أن استعاذته وطلبه للرقية الشرعية لا يمنعانه أبدًا من طلب العلاجات المادية، ومن السعي بأسباب الطب المختلفة للحصول على العلاج الذي يذهب عنه بأسه ويزيل عنه مرضه. فهذا التناقض المفتعل الذي يوجد عند كثير من طلبة العلم، وفي بعض الأحيان من مشايخ العلم، بين السعي إلى التداوي وبين اللجوء إلى الرقية الشرعية، لا أساس له في دين الله تبارك وتعالى؛ لأن الاسترقاء أو الرقية الشرعية ثابتة إلى مرض وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المرض الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت السيدة عائشة كانت ممن يرقيه بالمعوذتين؛ لأنه كان من شأنه أنه كان يرقي نفسه عليه الصلاة والسلام بالمعوذتين، وكان يرقي ويعوذ سِبْطَيْهِ الكريمين عليهما السلام الحسن والحسين بقوله: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة»، وقال لصحبه حينما أخبروه أنهم كانوا يرقون في الجاهلية: «اعرضوا عليَّ رقاكم»، فما كان فيها مما لا شرك فيه أجازه صلى الله عليه وآله وسلم. ولذلك اشترط العلماء في الرقية الشرعية أن تكون من كتاب الله عز وجل، أو هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو مما هو من طيب القول المعلوم، أي من اللغة المعلومة المفهومة، وأن يُعْتَقَد أنها مجرد وسيلة، أي أن هذه الرقية ما هي إلا سبب ووسيلة، وإلا فالشفاء بيد الله تبارك وتعالى. وعلى هذا يُحْمَل بعض ما يُفْهَم منه، مما ثبت صحيحًا، أو مما صح فيه شيء من النهي عن الرقى؛ فإنه يُحْمَل على ما كان على خلاف هذه الصفة، وإلا فلا ناسخ لثبوت الرقية الشرعية، ولا حاجة إلى القول بأن هناك تناقضًا بينها وبين سعي المرء، بين سعي المسلم إلى التداوي. ثم ليجتهد، ليبذل جهده في التطبب، وفي السعي إلى تمريض نفسه، وفي طلب العلاج من أهل الاختصاص، ولا يدَّخِر وسعًا في سبيل ذلك، فإن هذا مما أُمر به شرعًا، ويُندب للمسلم، وقد يتعيَّن في بعض الحالات أن يسعى إلى التداوي وإلى طلب العلاج من أهل الاختصاص، من الأطباء والاستشاريين المختصين بذلك المرض أو بتلك العلة التي أصابته. ويضاف إلى هذا أيضًا ـ مما يُنصح به في هذا السياق، في سياق التداوي، مع كل ما تقدم ـ ما ورد أيضًا من الحث على الصدقة؛ فإن الصدقة تقي مصارع السوء، وتقي ميتة السوء، وورد أيضًا ـ وقد حسَّنه بعض المحدثين ـ: «داووا مرضاكم بالصدقة». فمن أجل ذلك تجتمع كل هذه الوسائل عند المسلم حتى يتمكن من الخروج مما ألمَّ به ـ بإذن الله تبارك وتعالى ـ فلا يُحرم أجر ما أصابه، ويتمكن بعد ذلك ـ بإذن الله عز وجل ـ من العودة إلى انتظام حالته الصحية، ليتمكن من أداء ما هو مكلَّف به في دينه ودنياه. نعم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٩‏/١١‏/٢٠١٥👁 2 مشاهدة
🎬

المرض أحكام وآداب 1 - د. كهلان بن نبهان الخروصي HD

المسائل الطبية

✦ فتاوى مشابهة

منهج المريض الصحيح

3 👁

ما الطريق المستقيم الذي ينبغي أن يسلكه المريض بين التداوي والأخذ بالأسباب وبين التعلق بالله تعالى واللجوء إليه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

دور أهل المريض

2 👁

ما الذي يشرع لأهل المريض وأصحابه وأصدقائه ليخففوا عنه وما الواجب عليهم من الآداب نحوه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٩‏/١١‏/٢٠١٥

نظرة المؤمن للمرض

2 👁

كيف ينظر المؤمن إلى المرض وكيف يتعامل معه إذا أصابه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

البعد الإيماني للمرض

2 👁

هل يكون المرض تنبيهاً من الله لعبده في علاقة العبد بربه مع أن له أسباباً مادية؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

الأمراض المنسوبة للحسد

4 👁

ما موقف الشرع من توسع بعض الناس في نسبة الأمراض إلى الحسد والأمراض الروحانية وطرق علاجها بما يضعف الأخذ بالأسباب ويخل بالعقيدة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

كيفية صلاة المريض

12 👁

كيف يصلي المريض بحسب قدرته من القيام والجلوس والاضطجاع؟

👤سعيد بن مبروك القنوبي
٣١‏/٥‏/٢٠١١