⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
التسلُّح بالصبر: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: 17].
الدعوة يجب أن تكون في الوسط الإسلامي وخارج الوسط الإسلامي. أما في الوسط الإسلامي فالدعوة يجب أن تكون إلى التمسك بأهداب الفضيلة، والحرص على تطبيق الإسلام، وعدم التفريط فيه؛ فإن إضاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما تعود عاقبته بالويل والثبور على الجميع، على الذين يضيعون ذلك، وعلى الذين يرتكبون منهيَّ الله، ويتركون أوامر الله.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163-165].
نعم، الله سبحانه وتعالى بيَّن هنا أنه نَجَّى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس، والذين ظلموا وصف ينطبق على الذين ارتكبوا منهيَّ الله، وانتهكوا حُرْمته، وعلى الذين سكتوا عن ذلك ولم يأمروا ولم ينهوا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].
فالداعية يجب عليه أن يدعو في وسط أهله، وفي وسط عشيرته، وفي وسط قومه، وفي وسط أي مجتمع وأمته، وأن يحرص على إبلاغ الدعوة أيضًا إلى سائر الناس، لا يسوغ له أن يُهمِل هؤلاء، إنما على الداعية أن يدعو بقدر مستطاعه، وأن يصبر، أن يتسلَّح بالصبر كما تسلَّح السلف الصالح.
فالداعي لا بد من أن يلقى ما يلقى، ومما يجب أن يتفطَّن له أن الداعية عندما يُسلِم، يُسلِم أول شيء بأقرب الناس إليه، هذه هي سنة الله تعالى؛ إبراهيم عليه السلام اصطدم بأبيه، يعني أبوه وقف في سبيله، وضايقه، ولكن مع ذلك إبراهيم ظلَّ يدعو والده، ويتلطَّف في هذه الدعوة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 41-48]، وما هي النتيجة؟ ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 49-50].
هذا مما يجب أن يُدرَك. كذلك نوح عليه السلام، يعني اصطدم بمن اصطدم بابنه وبزوجته، نوح ولوط عليهما السلام كانت امرأتاهما على عكس دعوتهما، تعكسان دعوتهما، وهلك فيمن هلك.
وكذلك إذا جئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، أول من وقف في سبيله عمُّه أبو لهب، نعم، وقال له: تَبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ يعني هذا دليل على أن أقرب الناس إلى الداعية هو الذي يتنكر له.
والمرأة قد تصطدم بزوجها، والرجل قد يصطدم بامرأته، امرأة فرعون بطبيعة الحال اصطدمت بزوجها، كانت داعيةً إلى الخير، كانت متمسكة بحبل الله، سألت الله سبحانه وتعالى أن ينجيها من فرعون وشره وفتنته وكفره.
هذا كله مما يحفِّز همم الجميع، الرجال والنساء، إلى القيام بواجب الدعوة مهما كانت الضريبة التي يدفعونها؛ الضريبة لا بد منها، صحيح، وهذا لا يعني أن الداعي عندما يصطدم بما يصطدم به يتأخر، لا، بل عليه أن يمضي قُدُمًا، سواء أتت الدعوة ثمارَها أو لم تُؤْتِ، عليه أن يُبلِّغ أمانة الله سبحانه وتعالى، وما عليه من وراء ذلك شيء.