⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن كلَّ مواطنٍ في أيِّ مكان، في ظل أيِّ دولةٍ من الدول، إنما يتحتم عليه أن يكون حارسًا أمينًا.
ولا نجد في التاريخ البشري حراسةً أمينةً للأوطان كالحراسة الإيمانية؛ حراسةٌ إيمانيةٌ راسخةٌ في النفوس، تأخذ بمجامع الألباب، وتوجِّه النفوس الوجهة المرضية، توجِّه النفوس إلى الله سبحانه وتعالى أولًا، مالك الملك الذي تُسبِّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيءٍ إلا يسبِّح بحمده، وتوجِّه هذه النفوس إلى حسن التعامل فيما بينها، والقيام بالواجب، والحِفاظ والمحافظة على المصالح المشتركة، المصالح العامة.
وذلك يتمثل في الاستقرار والطُّمأنينة التي جَلَّلت الوطن الإسلامي بأسره من أقصاه إلى أقصاه، في وقتٍ كانت الدولة الإسلامية يمتد رواقها فيه إلى أرجاء مختلفةٍ في هذه الأرض، فيها من الأجناس أجناسٌ مختلفة، وفيها من اللغات لغاتٌ متعددة، ولكن مع ذلك بسبب هذا التأثير الإيماني وهذه القوة الروحية كان هنالك الانسجام، وكان كلُّ واحدٍ حارسًا أمينًا، يشعر بأنه على ثغرةٍ من ثغرات هذا الوطن، وأنه يحرص كل الحرص على ألا يُؤتى هذا الوطنُ من طريقه، يحرص على أن يدفع كلَّ شرٍّ.
فلذلك ما كانت الدولة في ذلك الوقت محتاجةً إلى الأجهزة الأمنية؛ لأن كل فردٍ من أفرادها هو أمين، وهو مسؤولٌ عن الأمن في بلاده، كل فردٍ من الأفراد هو مسؤولٌ عن تطبيق شريعة الله سبحانه وتعالى وتنفيذ أمره والقيام بحقه، والعقيدة هي التي تحفظ الإنسان في غيبته حتى لا يتورط في شيء، الإيمان هو الذي يسوس الإنسان السياسة الحكيمة، السياسة الشرعية، فتجعله هذه الطاقة الإيمانية يراقب الله تعالى قبل أن يراقب أيَّ شيءٍ في جميع أحواله، فلا يلتفت إلى ما عسى أن يُخيَّل إليه من مصلحةٍ لنفسه يريد أن ينتهزها ويريد أن يستغلها، لا، وإنما يفكر في طاعة الله والقيام بالحق، ويفكر في المسؤولية بينه وبين ربه، ويفكر في المعاد الذي ينقلب إليه يوم القيامة.
فلذلك يعطي الأوطان حقها من المحافظة عليها وعدم التفريط، ويسعى دائمًا إلى رَأْب الصدع، وجمع الشمل، وتوحيد الصف، والقضاء على كل سببٍ من أسباب الخلاف.
والقرآن الكريم قد نزل بما يسوق الناس إلى هذا كله؛ فنحن نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى كيف يدعو الله سبحانه وتعالى إلى القضاء على الفتن، لو نَجَمَت فتنةٌ في المجتمع الإسلامي فإنَّ على المؤمنين أن يسعوا إلى رتق الفتق وجمع الشمل، والقضاء على الخلاف، وإطفاء نار الفتنة، ونزع فتيلها؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]، هكذا يأمر الله سبحانه وتعالى أن يكون التدخل حتى بالقوة لأجل القضاء على الفتنة.
فهذا عهدٌ هو مأخوذٌ على جميع الناس.
ونحن نرى كيف يذكرنا الله سبحانه وتعالى بما شرع لغيرنا من قبل أن يشرع لنا، يذكرنا بما كان من تضييع الغير لهذا الحق؛ الله سبحانه وتعالى يخاطب بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 84-85].
يعني هذا مما وقع بين بني إسرائيل من الفتن والتناحر فيما بينهم، سفك بعضهم لدماء بعض، وإخراج بعضهم لبعضٍ من ديارهم، ولكن أليس هذا يُراد به تذكير بني إسرائيل فحسب، وإن كانوا هم المعنيين به في الخطاب؟! إلا أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبيِّن لنا بأن هذا أمرٌ مشروعٌ لنا، أمرٌ علينا أن نحافظ عليه، علينا أن نحافظ على سلامة أنفسنا، وعلينا أن نحافظ على حقوق مجتمعنا بحيث لا يعتدي أحدٌ على أحدٍ في المجتمع الإسلامي.