⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا الدين لم يأتِ لغرس نَزعة الاقتتال في النفوس، جاء لغرس الإيمان الصادق وللوصل هذه النفوس بخالقها ولتُبصِر بحقيقة وجودها في هذه الحياة، ولحملها على العبودية لله تبارك وتعالى وحده لا لأحد سواه، وجاء لإبعاد هذه النفوس عن اتباع الهوى والشهوات ولتجنّب أسباب الغوايات.
ولذلك كانت هذه المرحلة التكوينية في مكة المكرمة مليئة بما يحقق هذه المقاصد النبيلة والغايات الرشيدة. نجد فيها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو الناس، كان يبلّغهم ما يوحى إليه من كتاب الله عز وجل، كان يعلّم، وهناك دار الندوة دار الأرقم، وهناك دار سعيد بن نُفيل بن عمرو؛ فدار الأرقم كانت للخاص، ودار سعيد بن نفيل كانت لعامّة الداخلين في هذا الدين، كان يعرض نفسه على القبائل والوفود لا سيما في مواسم الحج، وقد تعرف أناس كثيرون على هذا الدين في مواسم الحج، وبدأت بشائر الدخول في هذا الدين بوصول وفود من المدينة المنورة، فكانت بيعة العقبة الأولى، ثم كانت بيعة العقبة الثانية، وكانت الهجرة إلى الحبشة الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة، ثم الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة.
كانت بيعة العقبة الثانية هي التي أبرمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع من آمن به وصدّقه من أهل المدينة المنورة، هي التي احتكم إليها لاحقا حينما كانت المواجهة بين المسلمين والمشركين في غزوة بدر، وهي التي عوّل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستطلع من خلالها آراء أهل المدينة؛ لأنهم فيها وعدوه بأن ينصروه وأن يحفظوه بما يحفظون به أنفسهم وأهليهم وأموالهم.
فهذه المرحلة التي كانت في مكة المكرمة هي مرحلة إعداد حقيقي لهذه النفوس وصياغة جديدة وصناعة للرجال وللقلوب، هذا هو الذي جاء إليه هذا الدين، ولذلك لم يكسر رسول الله صلى الله عليه وسلم صنما حتى فتح مكة، لم يتعرّض للمشركين بشيء من مقابلة الإساءة بالإساءة أو مقابلة العدوان بالعدوان، وإنما كان يحتمل ذلك؛ لأن المقصود أن تُبنى هذه النفوس وأن تُوطَّن، أن يُوَطَّن هؤلاء الرجال الذين اقتنعوا بهذا الدين أن تُوطَّن كل ملكاتهم لما سيأتي من الرسالة التي عليهم أداؤها في هذه الحياة، ولذلك حتى إذا ما تأملنا الهجرة إلى الحبشة نجد أن كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم من علية أهل مكة من الأشراف ومن الأغنياء ومن السادة هم الذين هاجروا إلى الحبشة في الهجرة أو في الهجرات التي كانت قبل الهجرة إلى المدينة المنورة؛ لأن من لوازم هذا الإيمان أن تكون التضحية لأجل المبدأ، أن تكون التضحية والإيثار للإيمان وللعقيدة التي يقتنع بها هذا الفرد.