⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
مما يؤكد هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى حتى حينما وصف نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم ووصف دعوته للناس، قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وهذا يؤكد المعنى السابق من أن تعليم الناس، وإخراجهم من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهداية، ومن الغواية إلى الرشد، يحتاج إلى أن يتحلَّى هذا المعلِّم، ويحتاج إلى أن يتحلَّى هذا الداعية والواعظ والمربِّي، وكل معنيٍّ مسؤول عن التربية والتعليم، أن يتحلَّى بأفضل الصفات وأكمل الخلال وأجمل الأخلاق.
ولذلك أُشير إلى هذه المنظومة من القيم والأخلاق بأبرز ما تحتاج إليه العملية التعليمية، فكان الاختيار على صفة الرحمة، لأن هذا الذي يقسو قلبه فإنه لا يمكن له أن يوصِل معلومة إلى الآخرين، ذلك الذي يتكبر من أن يعلِّم أو يتعلَّم فإنه لا يمكن أن ينفع الآخرين، هذا الذي لا يعتني بمصالح أمته، ولا بجلب الخير لوطنه، ولا بنفي الجهل عن وطنه ومجتمعه، فإنه لا يمكن أن يحقِّق رسالة التعليم.
ولذلك فإن تأهيل المعلم والمتعلم على قيم رصينة وأخلاق متينة أمر لا مناص منه. وإن كانت الأمثلة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم هي لأنبياء ورسل اصطفاهم الله عز وجل واختارهم، فإن اصطفاءه لهم جل وعلا إنما هو لتحقق هذه المؤهلات فيهم، فهم بشر اصطفاهم الله عز وجل لِتَحقُّق وامتلاكهم لهذه الصفات، ثم إنهم أُسوة حسنة لغيرهم من الناس.
ولهذا نجد أن الله سبحانه وتعالى يصف نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم ويصف المؤمنين معه بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، فما ذكر الله عز وجل «الذين معه» لو لم يكن في التأسي والاقتداء به منفعة لهؤلاء المخاطبين جميعًا.
وكذا الحال حينما قصَّ لنا الله عز وجل قصة إبراهيم والذين آمنوا معه، وكذا الحال حينما خاطب الله عز وجل المؤمنين واصفًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الصفة، ومبيِّنًا عظيم أثرها في واقع المتلقِّين: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
إلا أننا نقول بأن هذا السياق ينص، أو هذه السياقات تنص على أبرز الخلال، على أشد ما يحتاج إليه في العملية التعليمية من صفات وخلال كريمة، وهذا تمثَّل في صفة الرحمة، إلا أن ذلك لا يعني الاستغناء عن غيرها من الصفات؛ فهناك –على سبيل المثال لا الحصر– صفة الصبر التي لا بد أن يتحلى بها كلا طرفي العملية التعليمية: المعلِّم والمتعلِّم، ولعلها في جانب المتعلم أبرز وأظهر.
لأننا نجد أن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر لنا موقف موسى عليه السلام مع العبد الصالح، قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، فالإنسان –طبيعي– إن لم يكن مطلعًا على ما هو مُقبِل عليه، فإن صبره ينفد في العادة، ولا يحتمل، ولا يتأنى ويصبر حتى تتضح له الأمور، وحتى ينكشف له ما كان غائبًا عنه، وهذا المعنى تدل عليه هذه الآية الكريمة، ولذلك كان الصبر في حق المتعلم ألزم، وكان المتعلم أجدر بأن يصبر على انكشاف العلوم وما يدرسه، وأن يتأنى حتى يبلغ إلى النتيجة والغاية التي يريد أن يصل إليها…