⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فان الجواب يكمن فيما نفهمه من كتاب الله عز وجل من إرشاد وتوجيه في مثل هذه المواقف حينما تدلهم الخطوب وتتكاثر الظلمات وتفشو المصائب والمصاعب على بني هذه الأمة، فإن المرجع الذي إليه يرجعون إنما هو كتاب ربهم جل وعلا.
وسيجدون فيه أن الله تعالى يخاطبهم بقوله مبينا لهم حقيقة هذه الدنيا وما يحصل فيها من ابتلاءات ومن فتن وما يجب عليهم أن يواجهوا به هذه الفتن والابتلاءات، يقول سبحانه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186].
فإذا ما ينبغي للمسلم أن يتمثله ابتداء حينما يواجه الخطوب وحينما تشتد عليه الكروب هو أن يتمسك بالصبر الجميل، فيحتسب ما يصيبه عند الله سبحانه وتعالى، وأن يتبع هذا الصبر بالتقوى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، والتقوى لا ريب وصف جامع لما يحتاج إليه المسلم في مثل هذه المواقف، فإنه بحاجة إلى رباطة جأش، وبحاجة إلى أن يحتكم إلى كتاب الله عز وجل وأن ينبذ الهوى.
فإذا ما تمكن من ذلك فإنه حينئذ عليه أن يتمثل أيضا أن الله سبحانه وتعالى قد أمره بالبعد عن الهوى فقال سبحانه: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾، فليس وقوعه في شيء من المصائب والابتلاءات عذرا له لكي يقع فيما يخالف شرع الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
ولذلك فعليه أن يتحرى العدل والإنصاف، وألا يجور أو يعتدي حتى ولو كان صاحب حق؛ لأنه ينطلق من مبدأ إيماني راسخ ولا ينطلق من هوى، عليه أن ينبذ كل أسباب الهوى والشهوات.
كذلك عليه أن ينبذ أسباب الشقاق، لا سيما في أوقات الفتن، فالله سبحانه وتعالى قد قرن بين الأمر بالتقوى وبين الدعوة إلى وحدة هذه الأمة، حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 102-103]، فعلى المسلم أن يتمثل هذه المعاني في واقع حياته في مثل هذه الظروف.
ولئن كانت الكربات والخطوب التي تمر بهذه الأمة، أو التي تقع فيها هذه الأمة، غير كافية لجمع كلمة المسلمين وتأليف صفهم وتأليف قلوبهم ورأب صدعهم وجمع كلمتهم، فمتى يمكن للمسلمين إذاً أن تتآلف قلوبهم وأن يتوحد صفهم؟ ولهذا أكد الله عز وجل على هذا المعنى أيضا في مواضع أخرى، ولا بد للمسلمين اليوم أن ينتبهوا إليه ليبعدوا عن أنفسهم الشقاق والنزاع، فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، وهذه أيضا متصلة بما قبلها، أي متصلة بالأمر بالاعتصام بحبل الله المتين مع الأخذ بأسباب التقوى وكل ما يؤدي إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف.
هذه بعض الخطوات التي يستلهم منها المسلم مواقفه، والتي يبني عليها بعد ذلك ما يبعث في نفسه الاستبشار بأن وعد الله تعالى نافذ، وهو جل وعلا أصدق القائلين، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، ﴿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 106]، ووعد الله سبحانه وتعالى نافذ، ويقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51].
هذه هي المبشرات التي يستلهمها المسلم فتحدد له مواقفه تجاه هذه الخطوب وتجاه هذه المصاعب التي يواجهها، ثم إنه من خلالها يستشف المنح الإلهية التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيما يمر بهذه الأمة، ومنها تمحيص المؤمنين، ومنها رفع درجات المؤمنين، ومنها أن يتخذ الله سبحانه وتعالى من المؤمنين شهداء.
هكذا يجب على المسلم أن ينظر وأن ينطلق في تفسيره وتعامله مع هذه المواقف حتى يتمكن من التغلب عليها، ومن الأخذ بالأسباب التي أمره ربه جل وعلا أن يأخذ بها حينما تمر به أمثال هذه الابتلاءات.