⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذه الآية قد اختلف المفسرون في مناسبة نزولها، مع اتفاقهم على أن دلالتها لا تقتصر على من نزلت فيه أو على المناسبة التي نزلت فيها؛ ذلك أن الأحكام الشرعية المأخوذة منها، والذِّكرى والموعظة التي تشتمل عليها هذه الآية، تصدق على كل من آتاه الله سبحانه وتعالى من فيوضات علمه، ومنَّ عليه بما منَّ عليه من ألطافه، فآتاه حُكمًا وحكمةً وعلمًا، لكنه لم يعمل بما أوتي من العلم، ولم يشكر لله تعالى نعمته عليه، فكان عمله مكذِّبًا لعلمه، وكان مخالفًا بعمله وما يأتيه وما يَذَر لما يعلمه، ولذلك توعَّده الله سبحانه وتعالى هذا الوعيد الشديد.
فالآية في معناها صادقة على كل من مَنَّ الله عز وجل عليه بالعلم والهداية والنور، لكنه خالف في عمله ومسلكه ما آتاه الله عز وجل من العلم، وأعرض عن مقتضيات ذلك العلم، ولهذا بيَّن الله عز وجل سوء عاقبة هذا الصنف من الناس فقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾، ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾.
فكلُّ من اتَّصف بهذه الصفات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى: من الإعراض عن مقتضيات ما أوتي من علم، ومن الغفلة عما مَنَّ الله عز وجل به عليه من فضل الحكمة والموعظة والذكرى، وتنكُّب الصراط المستقيم، فإنه لا ريب يكون من الغاوين؛ أي ممَّن يقع في الغواية بنفسه، وممَّن يدعو غيره إلى الغواية والعياذ بالله.
وهذا الصنف من الناس يُعرِض عن طريق الرحمن، ويتَّبع طريق الشيطان بنص هذه الآية الكريمة، وهذا التشبيه بالانسلاخ كالحية تنسلخ من جلدها، فالصورة المشبَّهة أيضًا صورة تدعو المؤمن إلى أن يتجنَّب الوقوع في مثل هذا الذي يُحذِّرنا ربنا تبارك وتعالى منه، إذ دلالة الآية واضحة، وحكمها عامٌّ في كل من صدقت عليه هذه الدلالات وهذه الصفات.
لكن إذا كان البحث عن مناسبة نزولها، فإن طائفة من المحققين لا يلتفتون إلى مَن نزلت فيه أو مَن قصدته في المقام الأول، وإنما نظروا إلى المعنى والحكمة المأخوذة من الآية الكريمة.
ومن المفسرين من يرى أنها نزلت في أُميَّة بن أبي الصلت الثقفي، وهو من أهل ثقيف وكان مقيمًا في مكة، وكان يأنف من مظاهر الشرك، ويتلمَّس –كما في أدبياته وما يُنقَل عنه من أشعار– كان من المتحنِّفين فيما يظهر، وكان هو وأهله وقومه يظنون أن الرسالة ستكون فيه، فلما آتى الله عز وجل هذه الرسالة عبده المصطفى نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم أعرض، وتنكَّب لما كان لديه من علم، فنزلت هذه الآية فيه، وكون مناسبة الآية الكريمة في أُميَّة بن أبي الصلت يتناسب مع كون السورة مكية؛ لأن أهل مكة يعرفونه، وأقيمت عليهم الحجة مما يعرفون وفي مَن يعرفون.
لكن قيل غير ذلك؛ فقد ذهبت طائفة من المفسرين أيضًا إلى أن الآية نزلت في أبي عامر الراهب، وهو وإن كان ادَّعى التنسُّر، إلا أنه أيضًا سعى إلى التحنُّف، لكنه أعرض لما أُوحي إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الاستجابة إلى دعوته، فقيل بأن الآية نزلت فيه.
وقيل بأنها نزلت في بلعم بن باعوراء، وهذه تستند إلى جملة من الآثار المروية، وأغلبها من الإسرائيليات، ولذلك فإن حُذَّاق المفسرين لا يلتفتون إلى هذه الروايات، وللأسف الشديد فإن هذا القول منتشر عند عوام الناس، مع أن هذا الرجل الذي تُنسب إليه هذه القصة لم يَرِد أنه كان ممَّن خالف عملُه علمَه، بل الآثار الواردة في النصوص التي تحدَّثت عنه تدلُّ على أنه لم يكن من الصنف الذي نزلت فيه الآية أو أن معنى الآية يشمله، ولكنها –مع ذلك– هي في مجملها روايات ضعيفة متهافتة فلا يُلتفت إليها.
إذا هذه هي مناسبة نزول هذه الآية –أو هذا هو ما قيل في مناسبة نزولها– على خلافٍ بين المفسرين، لكن الذي يهم المسلم هو ما تدل عليه هذه الآية، والحِكَم والأحكام المأخوذة منها.
والله تعالى أعلم.