⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
العفة كما قلت إنما هي فطرة فطر الله تعالى الناس عليها، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى شريعته منسجمة تمام الانسجام مع الفطرة، ولم يكل الله تعالى أمر الفطرة إلى أهواء النفوس ورغبات الناس وآراء المختلفين، وإنما حددها بنفسه.
الله سبحانه وتعالى حرم الحوم حول كل ريبة من الريب، الله سبحانه وتعالى عندما حرم الزنا لم يقل: ولا تزنوا، وإنما قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، والله سبحانه وتعالى قبل أن يأمر بحفظ الفروج أمر بغض الأبصار؛ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]، ثم قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31].
فإذاً العفة إنما يحددها القرآن، يحددها حكم الله سبحانه وتعالى، لا تُوكل إلى آراء المختلفين بحيث يتنازع الناس في التحليل والتحريم؛ التحليل والتحريم أمرهما إلى الله وحده، والإنسان عليه أن يستكين لأمر الله، وينقاد لحكمه، ويكون أداة طيِّعة لتنفيذ شريعته في أرضه.
الله سبحانه يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116]، فالكل مطالب أن يستكين لأمر الله، وأن ينقاد له، وأن يقف عند حدوده، وأن يكون أداة لتنفيذ شريعته في أرضه وتطبيقها بين عباده.
هذه هي مهمة كل إنسان بمقتضى الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، وبمقتضى حكم الله تعالى الذي أنزله، وبمقتضى هداية الله تعالى التي جاءت بها رسالاته إلى الأرض، فالناس إذاً عليهم أن يرجعوا في أمر العفة إلى القرآن الكريم.
ونحن نرى كيف عالج القرآن هذه القضية؛ الله سبحانه وتعالى أمر الرجال أن يغضوا من أبصارهم وأن يحفظوا فروجهم، وأمر النساء بما أمر به الرجال، إذ لا يمكن أن يُطلق الميدان، أن تُطلق العينان لأحد الجنسين ليجول في الميدان كما يشاء، بينما يكون الجنس الآخر مكلبلاً ومقيداً، إنما الكل عليه أن يتقيد بحكم الله.
ونحن نرى أيضاً كيف أن القرآن الكريم جاء مراعياً للفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها؛ القرآن الكريم هو نداء الله تعالى إلى عباده، وخطابه الموجَّه إلى خلقه، القرآن جاء منسجماً مع الفطرة الزكية التي فطر الله تعالى الناس عليها؛ ذلك لأنه من عند الله، والفطرة هي أيضاً من عند الله، والله وحده العليم بطبيعة البشر ومساربهم، وما تنطوي عليه فطرهم، وما تحتاج إليه طبيعتهم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، فلذلك جاءت أحكامه منسجمة تمام الانسجام مع هذه الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها.