⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا كما قلت: إن من يعود إلى الجهاد الإسلامي، الإسلام يجب أن يُستقى من منابعه، وأن لا يُستقى من أفكار الناس وتصرفات الناس والإملاءات التي تأتي من هذا أو ذاك، الإسلام دين واضح، دين يدور حول الحق ومراعاة مصلحة الجنس البشري، حول مراعاة الحق ومراعاة ما للخلق من حق.
على كل حال، الإسلام لا يرضى هذه التصرفات الرعناء التي تصدر من بعض المحسوبين عليه، نعم، الاختلاف قد يكون سائغًا في بعض القضايا، وقد وقع الخلاف حتى بين الصحابة رضي الله عنهم، لكنه كان خلافًا شريفًا، لم يكن خلافًا دنِيًّا كما هو الشأن الآن. وقع الخلاف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل القرآن الكريم أقر الاختلاف، الله تعالى يقول: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا، فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 5].
وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة رضي الله عنهم أن ينصرفوا إلى بني قريظة، وأمرهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، اختلفوا في المراد من قوله هذا، هل هذا كناية عن الأمر بالسرعة في الذهاب، أو أنهم عليهم أن يؤخروا الصلاة حتى ولو خرج وقتها؟ كلٌّ منهم عمل بما رآه؛ من تصور أن هذا الأمر كناية عن الأمر بسرعة السير قال بأن الصلاة لها مواقيت، ولا نتجاوز بها وقتها المشروع، وآخرون قالوا: أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا نصلي إلا في بني قريظة، فعلينا أن نأخذ بقوله.
ولما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بهذا الخلاف أقر هؤلاء وهؤلاء على ما فهموه من أمره، دليلًا على أن الاجتهاد كل طائفة من الطوائف المجتهدة تأخذ بنصيب من الحق في اجتهادها، لا يقال بأنها قالت باطلًا، وإنما هو في حقيقته حق؛ لأن الواجب عليها أن تعمل بما أدَّاها إليه اجتهادها.
هذا الاختلاف لا حرج فيه بين الأمة الإسلامية؛ بل في هذا الاختلاف تكامل وفيه إثراء لهذا الدين الحنيف، هذا الدين كلما كانت المسائل الفرعية فيه أقوالًا كثيرة كان ذلك أدعى إلى أن يتوسع الناس من خلال هذه الأقوال المتعددة بحسب الظروف التي تحيط بهم، فمثل هذا الخلاف لا حرج فيه، لكنه ليس خلاف خصومة، وليس خلاف شقاق.
بخلاف الخلاف الذي يؤدي إلى سفك الدماء، ويؤدي إلى انتهاك الحُرُم، ويؤدي إلى الإفساد في الأرض، إلى قطع الأشجار المثمرة، أو فعل أي شيء من أنواع المنكرات، هذا يعد خطرًا كبيرًا ودمارًا يحق بهذه الأمة، على الناس أن يدركوا هذا الأمر.
فهذا يرجع إلى الخلاف الناشئ عن عدم المعرفة بحقيقة الإسلام، إلى الجهل بالإسلام، ولو أنهم عملوا بأمر الله تعالى عندما قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ، فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]، لكان ذلك أدعى إلى أن يعترفوا بالحق وأن يتفقوا عندما يرجعون إلى الله والرسول.
ولكنهم نسوا الله ونسوا رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما أخذوا بأقوال أئمة يتعصبون لهم، ولربما طوَّروا هذه الأقوال وزادوا فيها ما لم يكن ممن كان قبلهم، حتى وصل الأمر إلى هذا الحد من الشقاق والنزاع والفتنة.