مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

العصبية المذهبية واستباحة الدماء

نلاحظ أن العصبية المذهبية قد بلغت ذروتها إلى حد استباحة الدماء، ما رأي سماحتكم في هذا التصعيد؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، مما يُؤسَف له أن يكون بين المسلمين هذا التفرّق والتشتّت والتعادي، نَصْب العداوة من بعضهم لبعض، في حين يتفرّج عليهم أعداؤهم ويسخرون منهم وينالون منهم مُرادهم. والله تبارك وتعالى أمر هذه الأمة بأن تتوحّد فيما بينها كما أمرها أن توحّده في العبادة، عندما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. وبيّن أن هذه الأمة إنما تتوحّد في ظلال العبودية لله وأداء العبادة له وتقواه، عندما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، وقال: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]. فالأمة يجب عليها أن تسعى إلى ردم الهوّة التي تفصل ما بين فئاتها حتى تتواصل جميعًا في ظل العبودية لله سبحانه وتعالى. على أن أمة الإسلام إنما هي أمينة على أمانة الله سبحانه وتعالى، ومما اؤتُمِنَت عليه حفظ الدماء وسلامة الأنفُس؛ فالدماء لا تُراق إلا بوجه شرعي، والأنفُس لها حُرُمات عند الله، كافِيكُم بأن الله سبحانه وتعالى جمع ما بين قتل النفس وبين الإشراك به والزنا عندما قال سبحانه في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68]، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70]. وبيّن سبحانه أيضًا مقدار هذه النفس البشرية عنده، إذ جعل من سفك دمها وإزهاق روحها في حكم من قتل أهل الأرض جميعًا، ومن حافظ عليها وصانها وسعى إلى حياتها في حكم من أحيا الناس جميعًا؛ فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ۝ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. أمة الإسلام –كما ذكرنا– مهما كان من خلاف بينها فإنها جميعًا تلتقي على الإيمان بالله وكتابه الذي أُنْزِل، ورسوله الذي أُرْسِل، والإيمان بجميع كُتبه، والإيمان بجميع رسله، والإيمان بملائكته، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بأن الله تعالى يقضي ما يشاء ويحكم ما يريد، لا مُعقِّب لحُكمه ولا تبديل لكلماته؛ فكيف مع ذلك تكون هذه الأمة ساعية إلى تفتيت وحدتها وتشتيت كلمتها وذهاب ريحها بهذه الخلافات فيما بينها؟ على أن علماء الأمة ومفكريهم وعقلاءها من جميع المذاهب الإسلامية لا يرون بحال من الأحوال إباحة استغلال هذا الخلاف المذهبي من أجل هذه التصرّفات الرَّعناء؛ فقد اتفقت كلمة علماء مذاهب الأمة في المؤتمر الإسلامي الكبير الذي انعقد بعُمان قبل نحو شهرين، وصَدَر «بيان عُمان»، وفي هذا البيان تحريم سفك دم مسلم، وتحريم إخراج أي مسلم من حظيرة الإسلام باعتباره مرتدًّا عن دين الله تبارك وتعالى، إلا عندما يُنكر ما عُلِم من الدين بالضرورة؛ عندما يُنكر ما عُلِم من الدين بالضرورة، بحيث يُنكر –مثلًا– اليوم الآخر، أو يُنكر كتابَ الله، أو يُنكر نبيًّا من أنبياء الله، أو كتابًا من كتب الله، أو يُنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أو يُنكر حكمًا قطعيًّا منضبطًا بنصٍّ قطعي من حيث الدلالة ومن حيث المتن، ففي هذه الحالة يكون جاحدًا لما عُلِم من الدين بالضرورة من غير تأويل، عندئذ –بطبيعة الحال– يكون مرتدًّا عن الإسلام. أمّا بدون ذلك، فمهما كان من الخلاف المذهبي بين المذاهب الإسلامية فإن هذه الأمة مجتمِعة في ظلال دين الله تبارك وتعالى الذي يُوحِّد ولا يُشتِّت، ويجمع ولا يُفرِّق، ويؤلِّف ولا يُنفِّر. ندعو جميع المسلمين بأن يتقوا الله تبارك وتعالى، وأن يأخذوا بهذه الوصية، وأن يعملوا بمقتضى هذا البيان الذي اجتمعت عليه الكلمة، وهو تحريم دماء جميع فئات هذه الأمة، وعدم جواز إخراج أحدٍ منها من حظيرة الإسلام ما لم يُنكر ما عُلِم من الدين بالضرورة. ونَدعو مع ذلك أولياء أمور المسلمين الذين استخلفهم الله تعالى في الأرض لينظر ماذا يعملون، بأن يسعَوا سعيًا حثيثًا عفيفًا إلى اجتماع كلمة هذه الأمة وتوحُّدها، بأن يتّحدوا أوّلًا فيما بينهم لتتوحّد شعوبهم وراءهم، ولتلتقي كلمة الأمة معهم على أمر سواء، على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، واعتصام بحبله، والاستمساك بكتابه وبسُنّة نبيه صلى الله عليه وسلم. وأنا أرى أنه لا يَجمع هذه الأمة ولا يوحِّد صفَّها ولا يحفظ سلامتها كالالتفاف حول الكتاب العزيز وحول الشريعة السمحاء؛ فلذلك أناشد أولياء أمور المسلمين بأن يُطبّقوا شريعة الله تبارك وتعالى تطبيقًا تامًّا، في جُزئيات الأمور وفي كُلّياتها، وأن يُنفِّذوا أحكامها على القريب والبعيد، والبغيض والحبيب، والولي والعدو لأجل ضمان سلامة هذه الأمة؛ ففي ذلك ضمان لسلامة هذه الأمة. ومن تطبيق الشريعة الإسلامية الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحن نرى في كتاب الله تبارك وتعالى ما يدل دلالةً قاطعة على أن هذه الأمة إنما تتآلف وتتوحّد ويتولّى بعضُها بعضًا عندما يلتقون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله ورسوله؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۝ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۝ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71]. في هذه الآية الكريمة يُبيِّن الله سبحانه وتعالى هذه الوشيجة التي تشدّ الأمةَ بعضها إلى بعض، تشدّ أمةَ الإيمان، تشدّ جميع المؤمنين والمؤمنات بعضَهم إلى بعض ليكونوا كتلةً واحدة؛ يسلك عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في وصف المؤمنين: «تَرَى المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحُمّى والسَّهَر». فالوشيجة التي تضمّ هؤلاء المؤمنين بعضَهم إلى بعض إنما هي الوَلاية التي تجعل كلَّ مؤمن يفتح صدره لجميع إخوانه المؤمنين، وتفيض مشاعره بالرحمة تجاه جميع إخوانه المؤمنين وأخواته المؤمنات. وهذه الولاية إنما تقوم على ما ذكره الله سبحانه وتعالى هنا: على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ ونحن نرى كيف أن الله سبحانه وتعالى بدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذِكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ مع أهمية إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإنهما ركنان من أركان الإسلام، والصلاة هي أعظم ركنٍ عملي، بل هي الركن الذي يلي العقيدة مباشرةً، وإنما كان ذلك من أجل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صِمَامٌ للأمان. فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُحافَظ على حقوق الناس جميعًا فلا تضيع حقوق أحدٍ من خلق الله تبارك وتعالى، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تُحفَّز هِمم الخير حتى يَرعى الناسُ ما بينهم من الصِّلات وما بينهم من العلائق، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تُؤدَّى حقوقُ الله؛ فالصلاة نفسها تُقام حقَّ الإقامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والزكاة تُؤدّى حقَّ التأدية عندما يُؤمَر بالمعروف ويُنهى عن المنكر، وكذلك سائر الواجبات. فلذلك أوّل ما بدأ هنا في وصف المؤمنين والمؤمنات بوصفهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم أتبع ذلك وصفَهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأن الزكاة تصل أيضًا بين عباد الله المؤمنين وتُرقِّق المشاعر وتُلَطِّف الأحاسيس. وأُتْبِعَ ذلك أيضًا ذِكرُ طاعة الله ورسوله؛ الطاعة المطلقة في كل ما جاء به أمرٌ منهما أو نهي؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]. لذلك كانت ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل المحافظة على هذه الواجبات بأسرها، ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى وعد عباده المؤمنين النصرَ والتمكين عندما يقومون بهذا الواجب، فبذلك يكونون ناصرين لله ومستحقّين لنصر الله، وذلك عندما قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ۝ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 40-41]. ونحن نُدرك أن كثيرًا من الناس الذين اشتطّوا وخرجوا عن سواء الصراط وبَعُدوا عن المنهج الصحيح إنما كان ذلك التصرّف منهم نتيجةَ المناخ الذي يحتويهم؛ لو وُجِد مناخُ تطبيق شريعة الله، ومناخُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطُبِّقت شريعة الله على القوي والضعيف، وعلى الولي والعدو، وعلى القريب والبعيد، وعلى الحبيب والبغيض، أدّى ذلك –بطبيعة الحال– إلى أن تهدأ هذه العاصفة، وأن تسكن هذه الجائشة، وأن تطمئن هذه النفوس. ولذلك أرى من الضرورة أن يُدرك أولياءُ أمور المسلمين ذلك، وأن يحرصوا على المسارعة إلى تطبيق شريعة الله تبارك وتعالى، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيجاد المناخ الملائم لهذه النفوس التي تتعطّش إلى تطبيق شريعة الله وإلى تنفيذ أحكام الله تعالى. والله تعالى وليّ التوفيق.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١‏/٥‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

فتاوى للشيخ/أحمد الخليلي - ليلة الإثنين 22 شعبان 1426 هـ

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

خلاف المسلمين وسفك الدماء

2 👁

كيف يُفهم أن طوائف من المسلمين تختلف في قضية واحدة فيحرم بعضهم ويجيز بعضهم حتى يصل الأمر إلى استباحة الدماء، أليس في الإسلام ما يمسح خلافات كهذه ويُظهر الحق الواحد؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٦‏/٨‏/٢٠١٣

التحذير من التعصب المذهبي

0 👁

بعض الإخوة في الغربة يكفرون ويُبطلون صلاة غيرهم لاختلاف المذهب، ما توجيهكم للابتعاد عن التعصب المذهبي؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

مواجهة الخطاب الطائفي

2 👁

كيف يمكن مواجهة الطرح الطائفي المتشنج الذي يستبيح الأعراض وربما الدماء، ويرى أن بوابة الإصلاح والوحدة والنصر لا تكون إلا عبر بوابته العقدية أو التاريخية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٥‏/٢٠١٣

كلمة عن سفك الدماء

3 👁

سماحة الشيخ، أمتنا تنزف الدماء وتُذبح فيها النساء والأطفال وتتصاعد النزعات الطائفية فهل من كلمة تعيد لكل تائه هُداه وتبيّن للامة طريق الرشد؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٤‏/٦‏/٢٠١٢

التكفير والتفجير بين المسلمين

0 👁

ما حكم الفهوم التي تؤدي إلى تكفير المسلمين لمجرد الخلاف في الرأي، ثم استحلال دمائهم بالتفجيرات واغتيال المسلم لأخيه المسلم بل وتفجير المساجد بحجة العمل باسم الإسلام؟

👤عبدالله بن سعيد المعمري
٣١‏/٥‏/٢٠١١

متى يباح قتل المسلم

2 👁

متى تكون الشهادة عاصمة لدم المسلم، وهل توجد وجوه أخرى يباح معها قتل المسلم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٦‏/٩‏/٢٠١٣