⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن من أخطر الفساد في الأرض أن تُسفك الدماء، ولذلك عندما ذكر الله سبحانه وتعالى لملائكته أنه سيجعل خليفة في الأرض، وقد عرفوا من طبع الإنسان الذي سيُستخلف في الأرض أنه سيكون سفّاكًا للدماء، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟
إن قيمة الإنسان قيمة عالية، والله سبحانه وتعالى لأجل ما أودع فيه من قيمة جعله خليفة في الأرض، وهو صنع الله سبحانه الذي صنع بحكمته من أجل أن يقوم بواجباته، فعندما يَكْتَرِئ الإنسانُ على الإنسان فمعنى ذلك أن هذا الإنسان المُكْتَرِئ إنما يهدم بنيانَ الله سبحانه وتعالى، وذلك من أكبر الفساد، ولذلك قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
والله سبحانه وتعالى بيَّن عقوبة الذي يَكْتَرِئ على قتل النفس التي حرَّم الله عندما قرن بين هذا الذي يرتكب هذا الجرم ومن يشرك بالله ومن يزني، فقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70]، وبيَّن عقوبة من يقتل مؤمنًا فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].
نعم، هذا هو وعيد الله سبحانه لأولئك الذين يَقْتَرِئون على هذا الفساد، وإذا كان هناك اجتراءٌ على سفك دماء الأبرياء، كأولئك الذين يكونون منزوين في بيوتهم غير مشاركين في شيء من الفتن ولا مُؤَجِّجِين لنيرانها، والنساء والأطفال، فلا ريب أن هذا جُرمه من أعظم الجُرم، وهو من أعظم الفساد في الأرض.
والله سبحانه وتعالى نرى كيف أَطَّر الجهاد في الإسلام في إطارٍ أخلاقي، عندما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، أمر أن تكون هذه المقاتلة في سبيل الله، وأن يُقاتَل من قاتل بدون عدوان على من لم يُقاتِل، وحذَّر من العدوان إذ قال: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وفي هذا ما يكفي دليلًا على أن الإسلام جاء بالرحمة، جاء بفيض من الإحسان حتى في الوقت الذي يشتد فيه الأذى وتَهيج فيه العواطف وتتحرك فيه المشاعر، مشاعر الغضب والانتقام، إنما يُكْبَح ذلك كلُّه في الإسلام بهذا الكبح الإلهي من خلال هذا التشريع الرباني.
فكيف بأولئك الذين يُؤَجِّجون الأحقاد ويُسعِرون الفتن ويشيعون في الأرض الفساد ويسفكون الدماء بغير حق ويهلكون الحرث والنسل؟ إن ذلك كلَّه أمر خطورته خطورة كبرى.
ولا ريب أن الفتنة إذا أطلت برأسها على العقلاء أن يُطفِئوها، وألا يدعوها تلتهب فتأكل الأخضر واليابس وتقضي على الطَّرِف والتليد وتأتي على الحرث والنسل، إنما يجب أن تُمنَع هذه الفتنة وألا تُثار من مكانٍ منها، والفتنة أشد من القتل كما أخبر الله سبحانه وتعالى.
فنحن نُناشد العقلاء بأن يكونوا رسلَ خير، وأن يكونوا لُوَّاةَ وفاق، وأن يسعوا إلى ما فيه الأُلْفة والمودة والحنان وتحقيق العدل ورفع الظلم عن المظلومين، والله تعالى ولي التوفيق.