⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولا: لا ريب أن العاقل يأسَف لما يُصيب المسلمين اليوم من نكبات وزلازل، لكن لا بد من قول الحق. فلي هنا بعضُ نصائح، وظني أنها إذا صادفت قلوبا واعية أن الحالة يمكن أن تتغير.
فأقول أولا لأهل العلم الشرعي، والدعاة، والوعاظ: أوقِفوا فتاوى الدم، لأن رائحتها صارت مُنْتِنة، أزكمت الأنوف؛ كان كبار العلماء يتهيبون من الخوض في الدماء، واليوم نجد أن من يُحسِبون أنفسهم أنهم من أهل العلم – وهم ليسوا كذلك – ما أشدَّ جرأتَهم على الدماء؛ يظهرون حتى في القنوات الفضائية، يُطلِقون فتاوى بإباحة الدماء وإزهاق الأنفس بالجملة، وبلا وَرَع، وبلا حسبان للعواقب.
فالخطاب لنفسي ولإخواني جميعا، وطلبٌ من مشايخنا وعلمائنا ودعاتنا ووعَّاظنا: نقول بارك الله في جهودكم، لكن أوقِفوا فتاوى الدم، هذه الفتاوى التي تُبيح بها دماء الأبرياء بتبريرات وتسويغات لا وزن لها عند الله تبارك وتعالى، وستُحاسَبون على كل قطرة دم، أوقِفوها اتِّقاءَ لسخط الله عز وجل، وطلبا لمرضاته.
والنصيحة الثانية لأهل الحكم وأهل القرار: أوقِفوا أحكامَ الإعدامات، فإنها هيَّجت الناس، ووَلَّدت فيهم من مشاعر الاحتقان والغضب ما لا يخفى، وهي من الأسباب التي أفضت أيضا إلى ما تقدم من فتاوى الدم؛ فإن الحدود تُدرأ بالشبهات، ولأن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة، وعالِجوا أوضاع مجتمعاتكم بالحكمة، وبُعد النظر، والبصيرة، وبانتشال أولئك المُغرَّر بهم من هذا الواقع المرير الذي يُعانونه من شبابنا وفتياتنا، أحضرُوهم إلى ما يتمكنون به من البناء والتفقه – تفقها صحيحا، تفقه العلماء الوَرِعين الراسخين في العلم –، وأفسِحوا المجال لحقوق الناس وحرياتهم؛ أما أن يظل الحال هكذا فإنه لا ريب سيؤدي إلى مزيد من سفك الدماء، ومن العنف والغلو والتطرف، لا مصلحة لأحد في مثل هذه الأوضاع.
وأقول لإخواني من عامة الناس: لا تُدخِلوا أنفسَكم فيما تجهلون؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ﴾ إلى آخر الآية [الإسراء: 36]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، ما أحوجنا إلى أن نتثبَّت، إلى أن نتبيَّن، ما أحوجنا إلى أن نكون أعوانا على إطفاء الفتن لا على إشعالها.
اليوم ما أن يأتي خبر قد لا يكون صحيحا إلا وتجد أن الناس – كل الناس، الجهال قبل المتعلمين وقبل المثقفين – تجد أنهم كلٌّ يدلِي بدَلوِه لإشعال فتيل الفتنة، ولزيادة الجراح نكاية، مع أن السكوت أوسع لهم، بل الواجب في حقهم السكوت؛ لأن الذي يتلقَّونه إنما يصل إليهم إما عبر وسائل مشبوهة، أو من خلال إعلام مُوجَّه، أو أن الصورة غير مكتملة ولا هي بصحيحة ولا بموثوق فيها، وإذا بهم بعد ذلك يُذكون فتيل المذهبيات والطائفيات والعصبيات بتعليقاتهم، بمشاركاتهم، بمداخلاتهم المكتوبة أو المسموعة أو غير ذلك؛ الواجب على عموم الناس أيضا أن يقفوا عند حدودهم، وألا يزيدوا الفتن اشتعالا، بل أن يسعوا إلى إصلاح ذات البين أيضا في أمثال هذه المناسبات.
ومن الواجب أن نقول ذلك؛ لأنه مما أفضى إلى مثل هذه النتائج هذا الاستقطاب المذهبي – أو ما يُعرَف بالتبشير المذهبي – أدى إلى كثير من شحن النفوس بالعداوات، وأدى إلى ردَّات فعل عنيفة؛ وهل ستتغير طبيعة المذاهب الإسلامية بعد كل هذه القرون؟ وما الذي سيُضاف إذا ما دخل في مذهب من المذاهب أفرادٌ، عشراتٌ أو مئاتٌ؟ هذه الأيام دول، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
والواجب أن نتجاوز هذه الاستقطابات المذهبية الحادة التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من الفَتْق في وحدة هذه الأمة، وأن نتذكر أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]؛ أن ننظر في الجوامع المشتركة وأن نتذكرها وأن نعزِّزها وأن نغرسها لدى ناشئتنا.
الأصل في هذا التنوع المذهبي أن يكون سببا للرحمة والسَّعَة والتعدد المحمود، لا أن يكون سببا للشقاء والعداوات، ولا أن يكون سببا لما يُفضي إلى التفسيق والتبديع والتكفير في قضايا فيها سَعَة، وهذه تؤدي بعد ذلك إلى إباحة الدماء وإلى التفجير.
أيضا ليتنا نقف عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38]؛ فمن أتى جرما أو جناية فإنه يحمل وِزرَه، ولا يصح أبدا في شرع الله تبارك وتعالى، ولا في نواميس العقلاء من البشر، أن يحمل الأبرياء جريرةَ جرم ذلك الفاعل؛ فكيف يُقتَل الأبرياء لأن واحدا ينتسب إلى قوميتهم أو إلى مذهبهم ارتكب جرما، فيُزهَقَت أرواحُهم؟!
الأصل أن يتحمَّل جريرَةَ الجريمة فاعلُها فقط، وأن يكون أَخْذُه بالعدل أيضا؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33]، وقال: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] فيما يصح.
إذا لا بد أن نقف عند هذه الحدود، وأن نَرعوي من هذه الاستقطابات المذهبية ومن التبشير المذهبي، وهناك كثير من الحيرة، هناك كثير ممن لا يعرفون شيئا من الإسلام أبدا، فلمَ لا نُوجِّه جهودَنا إليهم وهم بحاجة، حينما يتعرفون على هذا الدين وعلى محاسنه ومزاياه يتحولون إلى طاقات فاعلة بنَّاءة؟
إذا هذه بعض المعالم التي نحتاج التذكير بها في مثل هذه المناسبات، وفي مثل هذه الأحوال، حتى نأخذ منها ما نُصحِّح به أوضاعنا، وما نخرج به من مثل هذه المآزق، نسأل الله تبارك وتعالى أن يلطُف بنا وبهؤلاء أيضا المنكوبين والمحرومين جميعا في كل بقعة من بقاع هذه الأرض.