⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
كلا، هذا خطأ كبير، بل ضلال مبين؛ لأن هذا الأمر لم يصدر عن عقل واعٍ، ولا عن معرفة بالدين، ولا عن تقييم صحيح للواقع.
ولا يجوز أن يتناول أمرَ الفتوى والحكم في شرع الله تعالى إلا العلماءُ المجتهدون الذين استكملوا أدوات الاجتهاد، بحيث يعرفون معاني كتاب الله عز وجل وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولديهم إلمام واسع بأسرار التشريع ومقاصده، وإدراك للإجماع والخلاف، مع فهم صحيح للغة العربية، وإدراك لقواعد استنباط الأحكام وغير ذلك مما يُشترط لبلوغ درجة الاجتهاد.
ثم إن هؤلاء نصبوا أنفسهم أولياءَ على أمور المسلمين؛ من الذي نصبهم بحيث يقرِّرون حال القتال وحال السِّلم نيابةً عن المسلمين جميعاً؟ لأن ردود الأفعال التي تنشأ عن تصرفاتهم تعود بالسلب على المسلمين جميعاً علمائهم وعامَّتهم، وهذا أمر خطير يجب أن يُحسب له حسابه.
وهؤلاء أيضاً ربما لا يقدِّرون الأمور قدرها.
أولاً: يجب أن نعلم بأن الإسلام هو الدين الحق، وأن الله سبحانه وتعالى جعل الإسلام حجةً على العالمين، وأن على الناس أن يعتنقوا هذا الدين، ولكن لا يكون ذلك بالإكراه وبالقوة، وإنما يجب أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة.
والله تعالى –مع أنه شرع كما قلت في مواضع قتالاً لغير المسلمين لأسباب يقتضيها الواقع– أيضاً أمر بالإحسان إليهم؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]، ويقول سبحانه وتعالى بعد الأمر بالقتال حينما قال: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، قال بعد ذلك: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]؛ فهنا أيضاً معاملة للآخرين بالحسنى، إلى غير ذلك من المواقف التي تقتضي معاملة غير المسلم معاملةً طيبةً تدعوه إلى الدخول في الإسلام.
فكيف بالمسلم الذي عصم دمه وعِرضه وماله بكلمة التوحيد؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة»، وفي الرواية قال: «فإذا قالوها» –يعني كلمة التوحيد– «فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله».
وجاءت روايات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تحذِّر من قتل المؤمن، وتتوعد من قتل مؤمناً بغير حق بأن يكبَّه الله على وجهه في النار، وجاء في بعضها ما يدل على أن حرمة المؤمن عند الله تعالى أشدُّ من حرمة الكعبة، وأن الناس لو تمالؤوا على قتل مؤمن لأكبَّهم الله تعالى جميعاً في النار.
فهذا يؤسِّس لحرمة دم المسلم، فيجب أن يُراعَى هذا، ومجرَّد الخلاف في بعض الأمور لا يبيح دم المسلم؛ خلافٍ في بعض القضايا الخلافية، أن يكون خلافاً مذهبياً أو أن يكون خلافاً فكرياً، بل ربما يصل في بعض الأحيان إلى خلاف فقهي فرعي أيضاً، فيؤدِّي ذلك إلى التفسيق والتبديع والتضليل، وربما الحكم بالكفر، وهذا أمر لا يجوز.
الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94]، وكما قال بعض أهل العلم: المقصود بالسلام أي الإسلام؛ فمن نطق بالشهادتين يُصان دمه وعِرضه وماله، ولا يجوز الاعتداء عليه ولو كان في نفسه –والعياذ بالله– على خلاف ذلك؛ فإنما نحكم على الناس بالظاهر.
وحينما جَرَّد أُسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه سيفَه وقتل ذلك الشخص المشرك في بداية أمره، ونطق بكلمة التوحيد حينما همَّ أسامة أن يضربه، النبي صلى الله عليه وسلم اشتدَّ على أسامة كثيراً، فقال أسامة: يا رسول الله، إنما قالها –يعني كلمة التوحيد– ليدرأ السيف عن عنقه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل شققتَ عن قلبه؟» أي هل تعلم صدق نيته؟ وقبل ذلك كان يقول له: «ماذا تفعل بلا إله إلا الله؟ ماذا تفعل بلا إله إلا الله؟».
فهذا أمر لا يجوز: تكفير المسلم بغير حق لا يجوز؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سبابُ المسلم فسوق، وقتالُه كفر»، ويقول: «فلا ترجِعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، بل يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النار»، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه».
فلا يجوز الاعتداء على مسلم بأي حال من الأحوال، وأشد من ذلك أن يكون في مسجد يصلِّي، يعبد الله تعالى في بيت الله تعالى الآمن، ثم يُقتل وتُزهَق روحه ويُغتال، هذا أمر لا يجوز.
إن كان هناك سببٌ لقتل المسلم فيجوز قتله، ولكن –كما قلت– لا بد أن يُحكم عليه بحكم شرعي، ليس من أفراد الناس وعامَّتهم… نعم، الباغي مثلاً يحلُّ دم المسلم إذا كان باغياً والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: 9]، وكذلك أيضاً باغياً بمعنى أنه يواجه إخوانه المسلمين، خرج معتدياً، خرج عن طاعة الإمام العادل… أو وقع منه موجبُ حدٍّ… لو أنه قتل مؤمناً بغير حق فهنا يُقتل قصاصاً مع أنه مسلم، ولكن يُقتل قصاصاً.
أو كان ذلك مثلاً حينما يزني وهو محصَن، فإن حكمه الرجم بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، ونحو ذلك من الأسباب المعروفة، لكن أن يُحكَم هكذا على مجتمع مسلم بأنه كافر، ويحكم عليه بالقتل، هذا أمر لا يجوز، وهو فتنة.