⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد، فلا بد لنا أولا أن نقدم التعازي لأسر من فقدوا في هذا الحادث الأليم، ونحن نواسيهم ونقول: أحسن الله عزاءكم.
ولا ريب أن هذا الحادث هو امتداد لفتنة عمياء أصابت هذه الأمة، وهذه الأسر التي رزئت في أبنائها المصلين فإننا نواسيهم أيضا أنهم في شهر فضيل، وفي يوم جمعة، وكانوا في بيت من بيوت الله تعالى، وهي أفضل البقاع في هذه الأرض؛ لأنها أماكن تقديس الله عز وجل، وهي أماكن للطهر والعبادة والعبودية والضراعة والدعاء ولذكره جل وعلا.
فعزاؤنا لهم هو أن يتذكروا كل هذه التي منَّ الله سبحانه وتعالى بها على من فقدوا من ذويهم، من إخوانهم أو آبائهم، ومن شبابهم، لأن هذه التعزية هي لأسر الضحايا ولأهل الكويت عامة، كما أننا نسأل الله سبحانه وتعالى الشفاء والعافية والصحة للجرحى المصابين الذين أصيبوا في هذا الحادث.
وأما الحادث نفسه فلا ريب أنه جدير بالإدانة والشجب، وهي لا ريب فتنة عمياء، حتى إن المسلم يحار: هل يُعقل أن يقوم بمثل هذا الفعل الشنيع والجرم العظيم من ينتسب إلى دين الإسلام؟ لأنه مهما قلبنا النظر فيما يمكن أن يكون مسوغا أو مبررا ولو ضعيفا متهالكا لارتكاب مثل هذا الفعل لما وجدناه في نظر علوم الشريعة وعند العلماء، لا يمكن أن يوجد ما يبرر مثل هذا الفعل.
فما الذي يستند إليه هؤلاء؟ أين هم من قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]؟ أم أنهم لا يلوون على وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر ما وصى به أمته حينما قال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وحينما قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»؟ فهي حرمات عظيمة عظَّمها الله سبحانه وتعالى، وعظمها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهل يظنن ظانٌّ أنه يمكن أن يُقضى على التنوع المذهبي بعد هذه القرون المتطاولة من استقرار المذاهب، سواء ما كان من المذاهب الإسلامية له أتباع كثر، أو ما كان من المذاهب الإسلامية التي لازالت باقية لها أتباع قليلون؟ هل يظنن ظانٌّ أنه يمكن له اليوم أن يُلغي هذه المذاهب الإسلامية وهذا التنوع الإسلامي؟
هل هناك مناص من أن ينظر المسلمون إلى واقعهم نظرة صفاء ونقاء وتوحيد لله عز وجل، وأن ننظر في المشتركات فيما بيننا، وأن نعظم ما أمرنا الله تعالى بتعظيمه؟ ونحن إذا نظرنا إلى هذه المشتركات، إلى القواسم الجامعة، لوجدنا أنها تتعلق بأصول هذا الدين، تتعلق بأركان الإيمان؛ فكل من انتسب إلى الإسلام، كل من رضي بالله تعالى ربًّا، وآمن باليوم الآخر، فإنه لا ريب يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكلهم متفقون على أركان الإسلام من كلمة التوحيد، ومن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا، كلهم يؤمنون أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن القرآن العظيم هو حجة الله تعالى على خلقه، وهو المنهج والدستور الذي يحتكم إليه، هو مصدر الهداية، هو كتابه المنزل على نبيه الخاتم، المتعبد بتلاوته، المعجز.
فكيف بعد ذلك نبحث عما يفرق، ثم تستبد بنا البغضاء والحقد والحسد إلى تكفير بعضنا بعضا، ثم نجاوز هذا التكفير أيضا إلى التفجير والقتل وإباحة وإزهاق الأنفس وسفك الدماء؟
لا ريب أن هذا من الفتنة التي لا ينبغي لنا اليوم أن نقف عند حدود الإدانة، بل لابد من جهود مضنية، جهود مكتملة، يقوم بها علماء الدين وأهل القرار وأولياء الأمور وأصحاب السياسة ورجال الإعلام لاجتثاث هذه الفتنة من جذورها وأصولها، بقطع النظر عمَّن وراءها، سواء كانوا ممن ينتسبون إلى ديننا وأمتنا، أو كان وراءهم من وراءهم ممن يريد أن يكيد بهذه الأمة، وممن يخطط بها الدوائر للزيادة في ضعفها، والنكاية في أمرها، وإذلالها، والاستيلاء على خيراتها ومواردها، لإحداث الفرقة والشقاق والتأزم، حتى يبقى هؤلاء مسيطرين، حتى يبقى هؤلاء مؤثرين قادرين على الوصول إلى ما يريدون، وإلى النيل مما يشتهون من هذه الأمة.
فمن أجل ذلك لابد من وجود برامج، وهذه البرامج تبدأ من تصحيح الخطاب الفكري الديني؛ فإن هذا الاحتقان والاستفزاز أيضا الحاصل عند بعض من ينتسبون أو ممن يوسمون أنهم من علماء الإسلام، فيكفِّر هذا، ويفسِّق ذاك، ويبدِّع هذا، ويبيح دم ذاك، هل يظنون أنه يمكن أن تقف الدائرة عند هذا الحد، أو أن كل فعل من هذه الأفعال سوف يقابل أيضا بردة فعل لا تقل عنه في القسوة والعنف وفي الغواية والضلال؟
ومن أجل ذلك فإنه لابد أيضا من محاسبة هؤلاء، ومن بيان الحق لهم، ومن سد كل المنافذ التي تذكي هذه الفتن، مع أهمية النظر في المصالح الكبرى لهذه الأمة، ومصالحها الكبرى إنما تكمن في إيقانها بأهمية اجتماع كلمتها، وائتلاف صفها، ونبذ أسباب الفرقة فيما بينها، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: 92]، ونجد أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
ومع هذا كله أيضا لابد –كما تقدم– من وجود برامج وخطط تسعى إلى استئصال شأفة الفساد، وإلى سد منافذ الشيطان والشر والبغي والعدوان، والطريق أمام الظلمة مهما أظهروا أنفسهم تحت شعارات أو دثار من تديُّن أو حرص على مصالح الأمة، طالما أن حقيقة ما يدعون إليه إنما هو سم زعاف، وفرقة وشتات لهذه الأمة، ونكاية فيها، وإضعاف وإصابة لها بالذل والهزيمة.
لابد من ذلك، ولابد من أن تكون هناك مبادرات يجتمع عليها المسلمون ويسعون إلى تطبيقها، وليُطرح المزايدات، وليُطرح إلقاء التهم، ويبحثوا في ذواتهم وفي واقع أمتهم عن بواعث هذا الضلال، وعن بواعث هذه الفتنة حتى يتمكنوا بعد ذلك من معالجة مثل هذه الأوضاع.
نسأل الله عز وجل في هذا اليوم المبارك أن يلطف بالمسلمين جميعا، وأن يحقن دماءهم، وأن يجمع كلمتهم، ويرأب صدعهم، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه تعالى على كل شيء قدير.