⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
حكمك اللهم، علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن حكم هذه الأنفحة وأنواعها والبدائل المتاحة:
الأنفحة هذه الإنزيمات توجد في معدة هذه الأنعام، وهي تشتمل على خمائر، هذه الخمائر تساعد على تخثير الحليب لكي يكون لبنًا، أو يكون بعد ذلك جبنًا، أو كما يقول بعض الفقهاء: تساعد على تجبين الحليب؛ يعني تحويل الحليب إلى جبنة. فهذا هو مفهوم الأنفحة.
وهي تشتق أو تُستخرج اليوم من جملة من البهائم؛ تستخرج من الأبقار، تستخرج من الأنعام: الأغنام، كما تستخرج في بلاد الغرب أيضًا من الخنازير، والمراد هو استخلاص تلك الإنزيمات لأجل استخراج المحاليل اللازمة لتحويل الحليب إلى أجبان ومشتقات الألبان المختلفة.
ولذلك فإن هذه الأنفحة حكمها الشرعي إنما يُنبنى على كون تلك الحيوانات مذكة ذكاة شرعية بطريق صحيح أم لا؛ لأن لحوم الأنعام التي تُستعمل من أجل الذبائح إن كانت مذكاة ذكاة شرعية فإنها حلال، وما لا يكون مذكًى تذكية شرعية فهو محرم شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: 3]، والخنزير كله رجس، كما أن الميتة لا يجوز استعمال شيء منها، وكذلك الدم حرام نجس؛ ومن هنا فإن استعمال الأنفحة المستخرجة من هذه الحيوانات إنما يُبنى حكمه على كون تلك الحيوانات مذكات ذكاة شرعية، وعلى القول أيضًا بأن الأنفحة هي جزء من المعدة، وليست سائلاً يخرج منها.
وكما قلت، فإن الحكم الشرعي إنما يُبنى على كون تلك الحيوانات مذكات ذكاة شرعية، فإن استُخرجت الأنفحة من حيوانات حلال لحومها، مما تُعتبر ذكاتهم ذكاتًا شرعية، فإنها حينئذ جائزة. وأما إن كانت مستخرجة من الخنازير فلا ريب أنها محرمة؛ لأنها جزء من الخنزير، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، فالخنزير كله رجس، وكذلك الحال إن كانت مستخرجة من حيوانات لا يُدرى هل ذُكيت تذكية شرعية أم لا.
وهنا فإن الذي يسعفه هو القاعدة الشرعية التي تقول: إن الأصل فيما جُلب من بلاد الإسلام الحل حتى يثبت العكس، والأصل فيما جُلب من غير بلاد المسلمين الحرمة حتى يثبت العكس. وعليه فإنه حتى فيما جُلب من بلاد الإسلام إذا قويت الشبهة فعلى الإنسان أن يتقي الشبهات؛ على المسلم أن يتورع وأن يتقي الشبهات، لكن لا يؤمر أن يحمل غيره على ورعه؛ إذ قد لا يكون أمر غيره كحالته هو من حيث ما يتصل بالشبهات التي بلغته.
ولأجل هذا الإشكال، ولأسباب اقتصادية، فقد بحث العلماء في بدائل، ومن هذه البدائل اليوم – أي البدائل للأنفحة المستخرجة من الحيوانات – بدائل تقوم على استزراع خمائر؛ فإما أن تُستزرع بطريقة ميكروبية، أي باستزراع بكتيريا خاصة لهذا الغرض، أو باستزراع فطريات.
فالذي تسأل عنه الأخت – وهو الميكروبية – هذا يعني أنها نوع من أنواع البكتيريا، وهذا بديل حلال جائز، إنه غير مستخرج أصلًا من حيوانات، وكذا الحال لو كانت خمائر فطرية، أي إنها إنزيمات أو ما انتهت إليه من مواد تؤدي هذا الغرض، فهي كذلك جائزة، والله تعالى أعلم.
إذا كُتب عليها: حيوانية، فهي التي يقف الإنسان عندها، هي التي يُعمل عليها قاعدة: ما جُلب من بلاد الإسلام فالأصل فيه الحل، وما جُلب من غير بلاد الإسلام فالأصل فيه الحرمة. أما إذا كانت نباتية أو كانت ميكروبية؛ فالنباتية – في الحقيقة – حاول العلماء لكنهم لم يفلحوا، لا سيما يعني في الجودة وفي الكلفة المالية، لكن هذه التي استُزرعت – سواء كانت من بكتيريا أو من فطريات – فإنها أدت الغرض، وهي اليوم أكثر انتشارًا عما كانت عليه.
وقد نوجه دعوة هنا – يعني نحن اليوم – إلى ذوي الأموال في بلاد المسلمين لإنشاء مصانع خاصة لصنع الأنفحة...