⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، الآن هذا المشهد: الأمة هنا الجماعة من بني إسرائيل على أثر قضية السبت المذكورة في كتاب الله عز وجل المعروفة، نعم، فجماعة من بني إسرائيل تُخاطِب جماعة أخرى، هذه الجماعة المخاطَبة تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نعم، لبعض قومهم الذين خالفوا في أحكام الله عز وجل وحدوده وشرعه من بني إسرائيل، يقولون لهم: لِمَ تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذِّبهم عذابًا شديدًا؟ فأجاب هؤلاء القائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قالوا: معذرةً إلى ربكم، أي نفعل ذلك اعتذارًا إلى الله تعالى، ليكون فعلنا هذا عذرًا لنا عند ربنا جل وعلا، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، ولعلهم يتقون: أي أولئك الواقعون في مجاوزة حدود الله تبارك وتعالى وانتهاك شرعه، نعم.
أنا وقفت عند هذه الآية الكريمة، لأن هناك قولًا عند بعض المفسرين أن السياق يتحدث عن فرقتين فقط، نعم، وأن هؤلاء الذين تحدثوا مخاطِبين للناهين عن المنكر هم الواقعون في تعدِّي حدود الله عز وجل، فكأنهم يسخرون بهم: إنكم تتوعدوننا بعذاب، فلِمَ تعظوننا؟ نعم، لكن ختام الآية يدل على أن المخاطَبين هؤلاء ليسوا هم الواقعين في تعدِّي حدود الله عز وجل؛ لأن هذا الفريق، هذه الجماعة الناهية عن المنكر قالت: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ و﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، ولم تقل: ولعلكم تتقون، إذاً عندنا ثلاث جماعات:
هذه المخاطِبة التي يُفهَم منها كأنها تعاتب، نعم، هؤلاء الجماعة الثانية وهم الناهون عن المنكر، والجماعة الثالثة المعنية هي الواقعة في تحدِّي الله تبارك وتعالى بانتهاك حرماته وحدوده، نعم.
ثم تأتي الآية الكريمة بعدها في قوله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، إذاً من الذين نجاهم الله تبارك وتعالى؟ الذين تحدث عنهم نصًّا قال: ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، نعم، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، هذه هي الجماعة الثانية المعنية محل الحوار بين الجماعتين، هم الذين ظلموا، ونسوا أمر الله تبارك وتعالى، نعم، وتخطَّوا حدوده، قال: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، نعم، سماهم ظالمين ووصفهم بأنهم كانوا يفسقون، نعم.
هنا اختلف المفسرون: هل الجماعة التي عاتبت، المخاطِبة للجماعة الناهية عن المنكر هي ممن نَجَوا من الجماعة الناجية أو من الجماعة الهالكة؟ نعم، خلاف، قولان شهيران، والحقيقة أن أكثر المفسرين أنهم مع الناجين، أكثر المفسرين، ويُنسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ثلاثة أقوال في المسألة، نعم، فشغلته المسألة؛ يقال: أشهر قول إليه: أنه رأى أنهم ليسوا بناجين، وإنما كانوا مع الهالكين، نعم، حتى راجعه عِكرِمة مولاه، فبيَّن، أو أخذ برأيه من بعد، وسرِيَ عنه، ونُسب إليه أنه يرى أنهم مع الناجين، ونُسب إليه التوقف، نعم، هذه ثلاثة أقوال:
فقول – وهو قول الأكثر بل يكاد يكون قول الجمهور – أنهم مع الناجين، وقول لطائفة من حذاق المفسرين: أن النجاة اقتصرت على الذين كانوا ينهون عن المنكر، وكانوا يعظون أولئك المعتدين الفاسقين المتعدين لحدود الله تبارك وتعالى دون من سواهم، نعم، وهذا القول يعني أن هذه الطائفة كانت من الهالكين – والعياذ بالله – يشهد له في كتاب الله عز وجل قوله تبارك وتعالى في غير هذا الموضع، لكن عن بني إسرائيل وأحوالهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، نعم، فعدم تناهيهم عن المنكر كان سببًا للعنة الله تبارك وتعالى، لطردهم من رحمة الله عز وجل، نعم.
وقول ثالث بالوقوف، والوقوف هنا قد يكون أكثر إقناعًا، نعم، لأن هؤلاء سكت الله تبارك وتعالى عنهم، ويبدو أنهم أصناف، فمنهم من لم يترك إعراضًا عن أمر الله عز وجل بالنهي عن المنكر، لم يفعل ذلك تهاونًا وإعراضًا عن أمر الله عز وجل، وإنما فعل ذلك لبلوغه حد اليأس من استجابتهم، وانتظار حلول عقوبة الله تعالى بهم، نعم، ولذلك قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أو معذبهم عذابًا شديدًا.
ويُفهَم من كلام شيخ القطب رحمه الله تعالى أنه يميل إلى هذا الوقف، أنه يميل إلى أن من هؤلاء من لم يترك إعراضًا وتهاونًا عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم – فيما يظهر – أنهم يمكن أن يكونوا أصنافًا، فكل صنف بحسبه؛ ولذلك فالوقوف أسلم، وإلا فأقرب الأقوال هو أن النجاة اقتصرت على الذين سماهم الله تبارك وتعالى فقط، نعم، بدليل الآية الكريمة التي وصف الله عز وجل فيها أحوال بني إسرائيل، وأنهم بتركهم للتناهي عن المنكر استحقوا لعنة الله عز وجل.
هذا والله تعالى أعلم.