⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فمن المتفق عليه أن الأمم إنما ترقى بأخلاقها، فالأخلاق والقيم والآداب التي تظهر وتتجلى على المجتمعات تعكس تحضر تلك المجتمعات، وتبين مقدار أخذها بأسباب رقيها وتطورها ونهضتها، ولذلك عُني هذا الدين الحنيف بتعزيز الأخلاق وعدّها مما يُحاسَب عنه العبد بين يدي الله تعالى يوم القيامة، ولذلك جاءت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم متممة لمحاسن الأخلاق، باعثةً إلى تزكية هذه النفوس وتعليم الناس المراشد والهدايات اللازمة لصلاحهم في هذه الحياة، ولإصلاح معاشهم لأجل سعادتهم في العقبى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾.
واشتملت التشريعات الربانية في كتاب الله عز وجل وفي الصحيح الثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يُغني البشر من منظومة القيم والأخلاق البالغة بهم إلى ما يحقق لهم تآلفًا وإخاءً، ويجلب لهم المصالح ويدرأ عنهم المفاسد، ويحقق لهم سعادة الحياة الآخرة.
وكما تفضلتم فإن هذه المنظومة تتعرض في كل عصر من الأعصار إلى أعداء يحاولون – أو هؤلاء الأعداء تتخطف الأخلاق من واقع حياة الناس – وهناك عدوان تقليديان للأخلاق:
أما العدو الأول فهو اتباع الهوى، لأن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾، وقال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾.
وأما العدو الآخر فهو الاتباع الأعمى، التقليد الأعمى، وهذا الذي حذر منه أيضًا القرآن الكريم كثيرًا في مواضع شتى ببيان سوء ما عليه أولئك الذين كانوا لا يستجيبون للحق بدعوى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ﴾، فردّ عليهم القرآن الكريم، ودعاهم إلى مكارم هذه الرسالة الخاتمة وإلى مراشد هذا الوحي الذي جاء لأجل أن يعيد للإنسان إنسانيته وأن يوقظ فيه الضمير الموافق للفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها.
ولا يزال هذان العدوان – اتباع الهوى والتقليد الأعمى – لا يزالان يعملان عملهما في نفوس الناس اليوم لأجل إبعادهم عن منظومة القيم الرشيدة والأخلاق القويمة.
لكن هذا الواقع المتغير الذي تشيرون إليه أظهر بعضها وأخفى بعضها الآخر، وأضاف إليها عدوًا آخر جديدًا. هذا العدو الجديد يتمثل في نزعة فردية طاغية، هذه النزعة الفردية تسعى إلى أن تُظهر في نفس هذا الإنسان جوانبه الذاتية الفردية على حساب قيم المجتمع وهويّة المجتمع.
ومع كون هذا العدو أيضًا عدوًا تقليديًا إلا أنه ظهر بشكل أبرز في وقتنا المعاصر؛ لأن هذه التقنيات، هذه الوسائل والأجهزة الذكية التي يستخدمها الناس فيطلّ منها على عالم مفتوح وعلى فضاءات رحبة عززت فيهم جانب النزعة الفردية وجعلتها طاغية على قيم الأسرة والمجتمع وعلى هوية الأمة.
فإذا ما تحدثنا عن مجتمعات المسلمين، فإن هذه التقنيات اليوم أفضت بجملة من شباب هذه الأمة إلى اتباع الهوى وإلى التقليد ثم زادت إلى التقليد الأعمى، ثم زادت إلى هذه العوامل المؤثرة سلبًا في منظومة القيم والأخلاق طغيانَ النزعة الفردية.
نعم، مع أن هذه أيضًا ممّا تعرّض له كتاب الله عز وجل إصلاحًا وعلاجًا.
وسنأتي – مع هذه العوامل التي تؤثر على منظومة القيم والأخلاق – أيضًا نجد أن هذه التقنيات الحديثة سهّلت تمكين المسلمين أن لو أحسنوا استخدامها من حفظ هويّتهم ومحافظتهم على قيمهم وأخلاقهم.