⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن الإسلام –كما قلت– جاء ليُطبَّق، لا ليبقى في متاحف الفكر، أو متاحف التاريخ، أو متاحف التنظير، وإنما جاء ليُطبَّق بحذافيره، ومن بينها قضية العدل هذه التي ركز عليها القرآن الكريم.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان مثالًا لتطبيق العدالة، ولذلك عندما روجِع في حدٍّ من حدود الله، وقد راجعه من هو من أحبِّ الناس إليه، حبًّا كان حبُّه صلى الله عليه وسلم، وهو أسامة بن زيد، غضب واحمرَّ وجهه، وقال: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله يا أسامة؟ والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». هذا هو الموقف، هذه العدالة، وهذا هو الذي المسلمون ساروا على هذا النهج.
ولا ريب أن الأمة المسلمة عندما كانت متمسكة بعروة العدالة الوثقى، وصلت إلى ما وصلت إليه من تسوية خلافاتها، ولم تكن تزن بميزانين، أو تقيس الأمور بمقياسين، إنما كان المقياس واحدًا، فلا يمكن صاحب هذا الفكر –مثلًا– أن يكون تارةً كافرًا مرتدًّا عن الإسلام خارجًا عن الدين عندما يكون ذلك في جانب، وعندما يكون هذا الفكر في جانب آخر يكون هذا هو الصديق الحميم، وهذا هو المؤمن المخلص، وهذا هو المحافظ على مقدسات الإسلام، هذه الأمور لا… الفكر واحد، إن كان هنا كفرًا فيجب أن يكون هنا كفرًا أيضًا، نفس الشيء.
ونحن –حسب ما درسنا وحسب ما وجدنا عليه سلفنا الذين تلقوا هذه المبادئ من القرآن الكريم ومن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم– وجدنا أنهم ما كانوا يفرِّقون قط بين هذا وذاك، وإنما يقيسون الأمور بمقاييس الشرع، من غير أن… كما قال الإمام السالمي رحمه الله تعالى:
نرضى بما يرضى به الإله لدينه ونأب ما يأباه سيرتنا سيرة
صحب أحمدًا لا نرضى أهل الظلم فينا مقتدى بل كلُّ ظالمٍ خليعٌ عندنا
وإن يكن قد حاز أبواب الدنا
يعني هذا هو الموقف، ونحن نرى أن القرآن الكريم جاء بدفع الظلم ورفع الظلم، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم هكذا، نجد الأحاديث الكثيرة رويت، أحاديث من طرق شتى، وبأسانيد متعددة، وبألفاظ مختلفة، هذه الأحاديث تنص على أنه سيكون أمراء يكذبون ويظلمون، «فمن دخل عليهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولن يرد عليَّ الحوض»، هكذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم؛ من دخل على هؤلاء فأعانهم على ظلمهم وصدقهم في كذبهم، فهو على كل حال ليس مني ولست منه، ولن يرد عليَّ الحوض.
وكذلك هناك أحاديث متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم بطرق متعددة وبألفاظ مختلفة، أي محصلها: «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً فيموت يوم يموت وهو غاشٌّ لها إلا حرَّم الله عليه الجنة»، يعني هذه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وهذا موقفه.
ومعنى ذلك أن الظالم لا يُعان بأي شيء، بأي شيء كان ما دام ظالمًا، والظلم إن وقع على أي أحد –كما قلنا– سواءً كان برًّا أو فاجرًا، مؤمنًا أو كافرًا، الظلم يجب أن يُرفع، وللمظلوم أن يدفع الظلم عن نفسه، هذه عدالة الإسلام، وهذا هو الحق كما جاء في نصوص القرآن: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، ولكن مع هذا كله أيضًا على أن لا يخرج هذا عن حدود الاعتدال، يجب أن يُؤطَّر كل شيء، لا أن تكون هناك ردود أفعال تخرج عن حدود الاعتدال، أو تقتضي أن يُحمَل البريء إثم المجرم، لا، كل شيء يُنزَل منزلته ويُعطى حكمه.
فالله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، وَلَا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ومن المعلوم أن الناس دماءهم وأعراضهم وأموالهم حرام كما نص على ذلك القرآن الكريم، ومهما كان أيضًا من ارتكاب المحارم في أي طرف، لا يُقابَل المنكر بمنكر، ولا يُقابَل باطل بباطل، ولا يُقابَل الظلم بظلم، إنما يُقابَل الظلم بالحق.
وهذا الذي كان عليه أسلافنا؛ وجدنا الإمام أبا الخطاب المعافري رحمه الله عندما قام على قوم يستحلون أموال أهل التوحيد كما يستحلون دماءهم ويفعلون الأفاعيل المنكرة، حذَّر من الأخذ من أموالهم، إنما بيَّن أن مقاتلتهم لكفِّ أيديهم عن الظلم، لا لأن يُظلَموا أيضًا، فقال له أحد من الناس: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا؟ قال: إذا حقَّ على الله أن يكبَّنا معهم في النار، فنكون كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، هذه العدالة وهذه الأمثلة الحية في تطبيق الإيمان.