⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم، أما بعد.
فالجواب هو أن العدل في الإسلام مبدأ ومقصد، فهو ليس مجرد مقصد يُسعى إليه بقطع النظر عن الوسيلة، ويخضع للمصلحة فردية كانت أو جمعية، كما أنه لا يمكن أن يقال إن العدل وما يرادفه أو ما يقرب من معانيه كالقِصْط والقِسْطاس ليست بغاية أو ليست بمقصد من مقاصد أحكام هذا الدين، لكنها في ذات الوقت لا يمكن أن تُختزل من كونها مبدأً أصيلاً من مبادئ الإسلام.
ولذلك نفهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: 29] قبل أن يقول: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 29]. ونفهم أيضًا السر في قول الله تبارك وتعالى حينما أرسل رسله وأنزل عليهم كتبه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].
فكل ما أمر الله تبارك وتعالى به فهو قِسْط، هو عدل وفضيلة في ذاته، بين الإفراط والتفريط، ويُوصِل إلى العدالة، أي استيفاء الناس لحقوقهم. وهذا هو معنى العدالة: أن يستوفي الناس حقوقهم، سواء كانت هذه الحقوق مادية أو معنوية. إذن ذات ما أمرنا الله تبارك وتعالى به هو قِسْط، كما قال في الآية الأولى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾، ثم إنه مُفضٍ بلا شك إلى إقامة العدالة وموازين القِسْط بين الناس.
ويتصل بهذا بكل وضوح أن نفهم أن العدل – مع هذه المنزلة التي بوأها الله تبارك وتعالى له – إلا أنه الحد الأدنى المأمور به في هذا الدين، الحد الأدنى الذي لا يسوغ لمن رضي بالله تعالى ربًّا وبالإسلام دينًا أن ينزل عنه، لكن يمكن له أن يترقى فوقه درجات، والدرجة الأعلى منه القِسْط، وفوق القِسْط الإحسان.
العدل كما يفهمه الناس هو استيفاء الحقوق، وحينما نتحدث عن استيفاء الحقوق فإن المصطلح القرآني المقابل لها: إقامة الحقوق أو بسط العدل، وهذا يعني أداء الحقوق للغير واستيفاءها من الغير وبسطها بين الناس.
إذًا هناك ثلاثة مفاهيم ينبغي لنا أن ندركها: أن نؤدي الحق إلى الغير، والصورة المقابلة أن نستوفي الحق من الغير، فنحن طرف في هاتين الصورتين: أن نؤدي إلى الغير أو أن نأخذ من الغير، وهذا عدل. يمكن ألا يكون الفرد طرفًا في القضية نفسها، وإنما يكون مقيمًا للعدل بين آخرين؛ ولذلك قُلت إن العدل يشمل الأداء والأخذ والإقامة أو البسط بين الغير.
ولخَّص لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جوهر رسالته – كما نجد في كتاب الله عز وجل – من العهد المكي، في سورة الشورى، نجد: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 15]. فعند بسط الحقوق بين الناس فلابد من العدل، وهذا هو الحد الأدنى، أي الإنصاف والمساواة بين الناس في حقوقهم.
وعندما يستوفي من غيره فليس له أن يأخذ إلا مقدار حقه، أما حينما يؤدي إلى غيره فإن الشرع يأذن له بالعدل، أي بالمساواة، بالمثلية، لكنه يحضه إلى الترفُّع بالبذل والمعروف والإيثار على الغير، وهذا هو الإحسان. فنفهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
ونفهم أيضًا – بناءً على هذا – ما ورد في كتاب الله عز وجل في موضعين في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: 135]، وفي المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فيما يتعلق بالربا يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]. إذن الربا ظُلْم، لأنه استيفاء لأكثر من الحق المشروع، فهذا ظلم مجانف للعدالة. وفي المقابل هناك صورة الإيثار والإحسان، وهي صورة ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. لم يذكر هنا البيع والشراء الذي هو معاوضة بمثل بين الأثمان والمعوَّض منه: السلع والخدمات، وإنما قال: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وهذا تفضل وإحسان.
إذن لدينا الآن الصورة المنهي عنها وهي صورة الظلم بالربا، وصورة الإحسان المتمثلة في الصدقة، والحد الوسط هو حد العدالة الذي هو الحد الأدنى الذي لا يصح النزول عنه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]، يؤكد مرة أخرى، وهذا هو شأن الدين لاستلال العداوات من النفوس، ولتحقيق مزيد من التكافل الاجتماعي، ولدعوة الناس – حينما يكون الحق لهم – إلى الإيثار، إيثار الغير. يؤكد ربنا تبارك وتعالى في نفس هذا الموضوع هذا المعنى بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 280].
هذا هو الذي نحصِّله، هذا هو الذي يدعو إليه هذا الدين: العدالة هي الحد الأدنى، المبدأ الذاتي الشامل العام المأمور به، لكن الشرع – مع ذلك – يأمرنا حينما نؤدي الحق إلى غيرنا أن نزيدهم وأن نؤثر وأن نحسن إليهم.