مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

هل العدل علة أم معلول

هل العدل في الإسلام علة أو معلول، وهل كل تشريع ينشد العدالة يعد عدلاً أم لا يكون العدل والمصلحة الحقيقية إلا في الإسلام؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم. أما بعد: فالجواب هو أن العدل في الإسلام مبدأ ومقصد، فهو ليس مجرد مقصد يُسعى إليه بقطع النظر عن الوسيلة، ويخضع للمصلحة فردية كانت أو جمعيّة، كما أنه لا يمكن أن يُقال بأن العدل، وما يرادفه أو ما يقرب من معانيه كالقِسط والقسطاس، ليست بغاية، أو ليست بمقصد من مقاصد أحكام هذا الدين، لكنها في ذات الوقت لا يمكن أن تُختزل من كونها مبدأً أصيلاً من مبادئ الإسلام. ولذلك نفهم قول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: 29]، نعم قبل أن يقول: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 29]، ونفهم أيضًا السر في قول الله تبارك وتعالى حينما أرسل رسله وأنزل عليهم كتبه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. فكل ما أمر الله تبارك وتعالى به فهو قِسْط، هو عدل، وفضيلة في ذاته بين الإفراط والتفريط، ويوصل إلى العدالة، أي استيفاء الناس لحقوقهم، وهذا هو معنى العدالة: يستوفي الناس حقوقهم، سواء كانت هذه الحقوق مادية أو معنوية. إذًا ذات ما أمرنا الله تبارك وتعالى به هو قِسْط، كما قال في الآية الأولى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾، ثم إنه مُفْضٍ بلا شك إلى إقامة العدالة وموازين القِسْط بين الناس. ويتصل بهذا بكل وضوح أن نفهم أن العدل – مع هذه المنزلة التي بوَّأها الله تبارك وتعالى له – هو الحد الأدنى المأمور به في هذا الدين، الحد الأدنى الذي لا يسوغ لمن رضي بالله تعالى ربًّا وبالإسلام دينًا أن ينزل عنه، لكن يمكن له أن يترقى فوقه درجات، والدرجة الأعلى منه القِسْط، وفوق القِسْط الإحسان. ما الفرق بينهم؟ العدل – كما يفهمه الناس – هو استيفاء الحقوق، وحينما نتحدث عن استيفاء الحقوق، فإن المصطلح القرآني المقابل لها إقامَةُ الحقوق أو بَسْطُ العدل، وهذا يعني أداء الحقوق للغير واستيفاءها من الغير وبسطها بين الناس. إذًا هناك ثلاثة مفاهيم ينبغي لنا أن ندركها: أن نؤدي الحق إلى الغير، وهنا الصورة المقابلة أن نستوفي الحق من الغير، فنحن طرف في هاتين الصورتين: أن نؤدي إلى الغير أو أن نأخذ من الغير. ويمكن أن لا يكون الفرد طرفًا في القضية نفسها، وإنما يكون مقيمًا للعدل بين آخرين، ولذلك قلت بأن العدل يشمل الأداء والأخذ والإقامة أو البَسْط بين الغير. ولخَّص لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جوهر رسالته، كما نجد في كتاب الله عز وجل من العهد المكي في سورة الشورى، نجد: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 15]، عند بسط الحقوق بين الناس، فإنه لا بد من العدل، وهذا هو الحد الأدنى، أي الإنصاف والمساواة بين الناس في حقوقهم. وعندما يستوفي من غيره فليس له أن يأخذ إلا مقدار حقه، أمّا حينما يؤدي إلى غيره، فإن الشرع يأذن له بالعدل، أي بالمساواة، بالمثليّة، لكنه يحُضّه إلى الترفع بالبذل والمعروف والإيثار والتفضُّل على الغير، وهذا هو الإحسان. فنَفْهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90]، ونفهم أيضًا – بناءً على هذا – ما ورد في كتاب الله عز وجل في موضعين في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: 135]، وفي المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. إذا كان العدل يحقق المقصود بين الناس من الأخذ والعطاء ومن إقامة العدل، فما الفائدة التي سيحققها الإحسان؟ الإحسان سبب لاستمالة القلوب ودفعها نحو قبول هدايات هذا الدين، كما أنه سبب لمزيد من التماسك والترابط بين أفراد المجتمع. وبناءً على المقدمة التي تفضّلتم بها، سنعطي أمثلة بعيدًا عن القضاء، بعيدًا عن الحُكم الذي يحصر الناس العدل فيه. فيما يتعلق بالرِّبا، يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]، إذًا الربا ظُلْم، لأنه استيفاء لأكثر من الحق المشروع، فهذا ظلم مجانف للعدالة، وفي المقابل هناك صورة الإيثار والإحسان، وهي صورة: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، لم يذكر هنا البيع والشراء، الذي هو معاوضة بمثل بين الأثمان والمعوَّض من السلع والخدمات، وإنما قال: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، تفضُّل وإحسان، إذًا لدينا الآن الصورة المنهي عنها، وهي صورة الظلم بالربا، وصورة الإحسان المتمثلة في الصدقة. الحد الوسط، وهو الحد الأدنى الذي لا يصح النزول عنه، ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]، يؤكد مرة أخرى – وهذا هو شأن الدين – لاِسْتِلال العداوات من النفوس، ولتحقيق مزيد من التكافل الاجتماعي، ولدعوة الناس – حينما يكون الحق لهم – إلى الإيثار، إيثار الغير. يؤكد ربنا تبارك وتعالى في نفس هذا الموضوع هذا المعنى بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 280]. هذا هو الذي نحصِّله، هذا هو الذي يدعو إليه هذا الدين: العدالة هي الحد الأدنى، المبدأ الذاتي الشامل العام المأمور به، لكن الشرع – مع ذلك – يأمرنا حينما نؤدي الحق إلى غيرنا أن نزيدهم، وأن نؤثرهم، وأن نحسن إليهم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

سؤال أهل الذكر | العدل .. مقاصد وأحكام | الأحد 23 سبتمبر 2018م

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

هل العدل علة أم معلول

2 👁

هل العدل في الإسلام علة أو معلول، وهل كل تشريع ينشد العدالة يعد عدلاً أم لا يكون التشريع عدلاً ومصلحة إلا في الإسلام؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

هل العدل علة أم معلول

2 👁

هل العدل في الإسلام علة أو معلول، وهل كل تشريع ينشد العدالة يعد عدلاً، أم لا يكون التشريع عدلاً ومصلحة إلا في الإسلام؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣‏/٩‏/٢٠١٨

العدالة والعقيدة

4 👁

إذا حققت بعض الشعوب قدراً جيداً من العدالة في حياتها، فهل تبقى محتاجة إلى العقيدة والإيمان أم يمكن أن تستغني عنهما؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣‏/٩‏/٢٠١٨

مشروعية الصلح ومهاراته

0 👁

ما دام الصلح مشروعا في الإسلام فهل هو مشروع لكل أحد أم يحتاج إلى مهارات خاصة في من يتصدى له؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٩‏/٤‏/٢٠١٦

الرصيد التاريخي للعدل

2 👁

هل لدى المسلمين رصيد تاريخي حقيقي استطاعوا فيه التعامل مع مفردات كالحق والعدل والظلم تطبيقاً لا تنظيراً فقط؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٠‏/٦‏/٢٠١٣

العدل في اختيار الزوج

3 👁

هل يدخل حسن اختيار الزوج أو الزوجة ضمن العدل، أم أن ترك معايير الدين في الاختيار يعد ظلماً للنفس؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠