⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه قضية هامة، فإن كثيرا من الناس يتحدث عن القراءة، والقراءة في ذاتها جديرة أن يُتحدَّث عنها، وأن يُكتب عنها، وأن يُقرأ عنها، لكن هناك استخداما قرآنيا قلّ ما يتعرض له العلماء والمفسرون؛ هذا الاستخدام القرآني للقراءة ولأدوات القراءة ولأدوات الكتابة نجدُه أولا مبثوثا في كتاب الله عز وجل في مواضع كثيرة لا حصر لها.
سوف نجد ذكرا للقلم، سوف نجد ذكرا كثيرا للكتاب، وللكاتب، وللسلطان، وأنا على ثقة أن من يسمع هذه المفردات يتذكر جملة من الآيات القرآنية التي تتحدث عن القراءة والكتابة.
سوف نجد أن أطول آية في كتاب الله عز وجل جديرة أن تُسمى آية الكتابة، وهي آية الدين أو آية المداينة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، و﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، هذه الآية التي هي أطول آية في كتاب الله عز وجل وما يليها تأمر بالكتابة، ويتكرر فيها الأمر بالكتابة، وبالإملاء، وبالوازم الكتابة من التوثيق بالإشهاد وغيرها من الوسائل، فهي جديرة في ذاتها أيضا أن تسمى آية الكتابة.
ثم إننا نجد أن الله سبحانه وتعالى اختار لوصف اليهود والنصارى أن يصفهم بأنهم أهل كتاب، وورد هذا كثيرا في كتاب الله عز وجل، فأبرز ما وُصفوا به أنهم أهل كتاب، وفي هذا أيضا من الإشارات، بل فيه من الدلالة الواضحة لهذه الأمة ما لا يخفى؛ فكون القرآن يتحدث عن الضلالات في التوحيد وفي التشريع التي وقع فيها اليهود والنصارى ويحذر فيها هذه الأمة، ومع ذلك يأتي ويصف هذه الأمم بأنها أمم كتاب، بأنهم أهل كتاب، فهذا فيه إعلاء لشأن الكتاب، وفيه تفخيم لشأن هذه الأمم التي أكرمت برسالات سماوية وبوحي الله سبحانه وتعالى الذي أُنزل على أنبيائه ورسله الكرام عليهم الصلوات والسلام.
لكن – وهي القضية التي تفضلتم بالسؤال عنها – هل يمكن لنا أن نستنتج من القراءة في كتاب الله عز وجل شروطا أو مواصفات معينة هي التي تحقق للمسلمين الانبعاث الحضاري، ويمكن أن تحقق لأجيال متعاقبة كما حققت للجيل الأول الذين فهموا هذه المواصفات أو فهموا هذه الشروط؟
الذي يظهر أن هناك جملة من الشروط مبثوثة في ثنايا كتاب الله عز وجل:
منها أن تكون هذه القراءة موصولة بالله جل وعلا؛ لأن الله عز وجل قال – أول ما قال – آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده بالقراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فلا بد من توحيد الله عز وجل، ولا بد من استشعار العبد لمربيه، الله جل وعلا له، وهذا هو لبّ التوحيد الخالص، هذا هو مبعث الإيمان بالله تبارك وتعالى واليوم الآخر، وهنا مكمن الإخلاص لله سبحانه، فلا بد للقارئ أن يُخلِص قصده ونيته لله تبارك وتعالى، فيجعل ذلك العمل خالصا لوجه الله تبارك وتعالى؛ لأنه يستجيب لأمر المولى الكريم له بالقراءة، هذا هو الشرط الأول.
ثم نجد بعد ذلك أن الله سبحانه وتعالى – في هذه السورة نفسها – حينما لا نجد مفعولا عُدِّي إليه هذا الفعل، كما يقول المفسرون؛ تجد: ﴿اقْرَأْ﴾، ولم يُسمَّ المفعول، ما هو المقروء في السورتين، فهذا يعني أن الله تعالى أباح لنا أن نقرأ كل شيء؛ أما النافع فأمرُه ظاهر، وأما ما كان بخلاف ذلك من الضار أو من الشرور، أو ما كان في هذه الدائرة، فلأجل أن يتقيَه هذا المسلم، أن يتعرّف فلا يقع فيه.
نعم، وهذا نستنتجه من حذف المفاعيل، من حذف ما عُدِّيَت إليه هذه الأفعال في الأمر بالقراءة، ونفهمه من الشرط الأولي أن تكون القراءة باسم الرب الذي خلق؛ فحينما يُخلِص قصدَه لله تبارك وتعالى، ويُوحّده حق التوحيد، فإنه – لا ريب – سوف يجعل مقاصده مقاصد موافقة لشرع الله تبارك وتعالى، مقاصد حسنة.
هناك شروط أخرى تتصل بالصلة الوثيقة بين القراءة ويقظة القلب، بين حياة الضمير، بين الجانب الإيماني، وهذا نلمسه – مع كونه موضوعا طويلا لكنني سأختصر – نلمسه في آيات تثبت لأولي العلم الذين أمعنوا النظر، وسبروا أغوار هذا الكون، وتعلموا، وقرأوا، وكتبوا، تثبت لهم صفات تتناسب مع هذا المعنى، مع معنى يقظة القلوب والخشية من الله تبارك وتعالى، كما أنها تصف غيرهم ممن وقف علمه عند ظاهر هذه الحياة الدنيا بصفات تحذر المسلمين من أن يقعوا فيها.
في سياق الإثبات نجد أن الله تبارك وتعالى في مطلع سورة آل عمران يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]؛ هنا وصفهم بأنهم راسخون في العلم، وكانت النتيجة أنهم قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ثم أكّد أن هؤلاء هم أولو الألباب: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾؛ كان أول ما دعَوا به أن قالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
وكان الوقوف بالعلم عند ظاهر الحياة الدنيا هو سببَ الزيغ والضلال؛ ولذلك فإنهم أرادوا أن يلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يستعيذوا به من أن يقعوا في الزيغ والضلال بسبب وقوفهم بعلمهم عند ظاهر هذه الحياة الدنيا، فكان أبرز ما توجهوا به، أول ما توجهوا به إلى ربهم أن قالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا...﴾.
ثم إننا نجد أيضا أن الله سبحانه وتعالى حينما وصف بعض عباده، فَفَرَّق بين الآيات في هذا الكون وبين مَن هؤلاء الذين يقرؤون هذه الآيات المبثوثة في هذا الكون وما هو حالهم، قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]، هنا وصفٌ لهؤلاء الذين يسبرون أغوار هذا الكون بأنهم هم أولو الألباب، ثم قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191].
ذكر من أوائل الصفات التي يتصفون بها أن تلك العلوم التي توصلوا إليها من خلال قراءتهم ودراستهم ونظرهم وبحثهم أورثت هذه النتيجة: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ... وَيَتَفَكَّرُونَ... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، مما يعني أن العلم، أن القراءة والتدبر للوصول إلى العلم لا بد أن يكون مصحوبا بإيمان راسخ، وبإكثار لذكر الله تبارك وتعالى، حتى يؤتي العلم ثمرتَه؛ فلا بد أن يفتح المؤمن قلبه لكي تصل إليه أنوار الهدايات، ولا يقف الأمر عند حدود حشو الأدمغة والعقول بالمعلومات التي يقرأها أو يتعلمها أو يدرسها ويبحث فيها، بل لا بد أن يُزاح الغشاءُ من قلبه، لا بد أن يفتح هذا القلب لأنوار العلوم والمعارف التي تُوقظ في نفسه إيمانا بالله تبارك وتعالى.
صلة وثيقة تتمثل في كثرة ذكره جل وعلا، وكثرة تذكّره – أي ذِكْرًا باللسان، وتذكُّرًا بالقلب، وتذكرًا في سائر الأحوال والظروف التي يكون فيها المسلم.
ثم – وهنا نجد المعنى الآخر، المعنى المقابل – يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: 29-30]؛ أثبت لهم العلم، إلا أن هذا العلم الذي وصلوا إليه، وكان مبلغَهم منه النظرُ إلى ظاهر هذه الأمور، وعدمَ وصل هذه الظواهر التي يرونها بالمسبِّب لها الذي هو الله سبحانه وتعالى، فيقفون عند ظاهر ما يقرأون أو يدرسون أو يتوصلون إليه من نتائج، ولا يُسندونها إلى مسبِّبها الذي هو الخالق المدبِّر لهذا الكون.
ولذلك أتبع هذه الآية حينما قال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: 30].
ونجد مثل هذا المعنى، وأوضح منه أيضا، في قول الله تعالى في سورة الروم: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 6]؛ نفى عن هؤلاء الناس الذين لا يتفكرون في وعد الله سبحانه وتعالى، نفى عنهم العلم، ثم أثبت نوعا من العلم لهم في الآية التالية، فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].
فإذا الذي أدّى بهم إلى تلك النتيجة هو ليس الجهل الذي نعرفه نحن اليوم، وإنما هو اعتداد منهم بعلمٍ لظاهر هذه الحياة الدنيا، وهذا ما يجب على المسلمين اليوم أن يحذروا منه؛ لأن سلفهم كان على حذر منه، فتجنّب أن يقف بعلومه ومعارفه عند حدود ظواهر ما في هذا الكون من آيات وأسرار، وإنما سبر أغوارها، ووصل من خلالها إلى أن يصل إلى العلم بالغيبيات؛ ولذلك هذه الآية تصل بين هذا العلم الظاهري وبين أن يكون هذا العلم مستندا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأنه قال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...﴾.
فيقابل هذه الصورة أن المؤمنين الذين يعلمون حقا لا يقف علمهم عند حدود ظاهر الحياة الدنيا، بل يوجّهونه إلى الحياة الآخرة، فيصلون بين الدنيا والآخرة، بين الظواهر وأسبابها، وبين مسبّبها ومكوِّنها الحقيقي، بين كل ما ينفع الناس في هذه الحياة الدنيا، وبين المُسخِّر الذي منح هذا الإنسان المكنة، وآتاه العقل والفؤاد والسمع والبصر لكي يشكر نعماءه عليه، فيسخِّر هذه النِّعم لكي يخرج من ربقة الجهل إلى أنوار العلم المستمد من وحي الله تبارك وتعالى الموصول بالحياة الآخرة.
وهذا لا يقف عند حدود نوع من أنواع العلوم، بل يشمل كل القراءة، كل قراءة، وكل علم نافع يستفيد منه الناس، يَجلِب لهم مصالح أو يدرأ عنهم مضارًّا.