مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

الحديث المخالف للحقائق العلمية

إذا صح سند ومتن حديث نبوي ثم أثبت العلم الحديث استحالة مضمونه، فهل نضعف الحديث بناء على ذلك؟ وهل يُستفاد من العلوم الحديثة كمنهج جديد في تصحيح وتضعيف الأحاديث خاصة في الأمور العلمية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، لا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم صانه الله سبحانه وتعالى صلى الله عليه وسلم عن قول الباطل، وهو عليه أفضل الصلاة والسلام كما أخبر الله تعالى عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فالنبي صلى الله عليه وسلم يُبعَد كل البُعد أن يتحدّث بما يخالف الحقائق العلمية، أما النظريات شيء آخر، نظريات. ثم الحديث الآحادي نحن لا نقول بأنه موجب العلم، وإنما هو موجب للعمل، يوجب العمل ولا يثبت به العلم، هذا مما يجب أن نكون على بالٍ منه؛ الأحاديث الآحادية لا تثبت بها العقائد، وما يتعلق بالقضايا العلمية هي قضايا تتعلق بالعقائد، ولم يكن المتواتر ليخالف الحقائق العلمية بحال من الأحوال، المتواتر لا بد من أن يكون طبق الحقائق العلمية. وبالنسبة إلى الحديث الآحادي، حتى علماء الحديث أنفسهم قالوا بأن الحديث الآحادي وإن ثبت سنده يُرَدّ، وإن صحَّ سنده، هذا ما نصَّ عليه البغدادي في كتاب «الفقيه والمتفقه»، قال: بأن الحديث الآحادي وإن صحَّ سنده يُرَدّ لكثير من الأمور: يُرَدّ لمخالفته القرآن الكريم؛ إذ لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخالف القرآن. ويُرَدّ إن خالف المتواترَ من السنّة؛ إذا كان الحديث، يعني إذا تعارض السندان أحدهما أقوى من الآخر، فإن يُؤخذ بالسند الأقوى، فكيف إذا تعارض المتواتر والآحادي، فمن أولى أن يُؤخذ به؟ المتواتر. وكذلك إذا تعارض مع القرآن؛ يعني القرآن متواتر لفظاً، وبالنسبة إلى دلالاته هناك ما هو قطعي عندما تكون نصيّة، وهناك ما هو دون القطعي إن كانت دون النص. ونحن نرى في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم كيف كانوا يردّون الرواية التي تأتيهم من قبل الصحابة بسبب مخالفتها للقرآن الكريم؛ السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ردّت حديثاً يرويه عمر بن الخطاب ويرويه ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه، وردّت ذلك بأن هذا ينافي القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه ردَّ حديث فاطمة بنت قيس، وقال: لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت. كذلك ابن عباس رضي الله عنهما ردَّ حديث الحكم بن عمرو الغفاري فيما يتعلق بالحمر الأهلية، نظر إلى الكتاب العزيز كما جاء ذلك في صحيح مسلم، هذا مما يدل على ردّ الروايات. والأمر الآخر: إن خالف الإجماع؛ فإن الإجماع لم يكن للأمة أن تُجمِع على خلاف ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما نص عليه البغدادي. كذلك أيضاً إذا كان مخالفاً للعقول؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحدّث بما يخالف العقول. وإن كذلك إذا روى الواحدُ ما يجب أن تتظافر عليه رواية جماعة، وروى هذا الأمرَ واحدٌ، فإن هذه الرواية أيضاً تُردّ، هذا ما نص عليه البغدادي في «الفقيه والمتفقه». فإذاً هذا الجانب لا بد من مراعاته، وقضية السند ليست هي كل شيء؛ نقد المتون أمر ضروري، لا بد من أن تُنقَد المتون، نقدَ الأسانيد وعدم الالتفات إلى نقد المتون هذا خلاف ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ إذ كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ينقدون المتون مع أنهم يتلقّون هذه الروايات من صحابة مثلهم، ولا يشكّون في صدقهم ولا في أمانتهم، ولكن الإنسان عُرضة للنسيان، فكيف مع تطاول العهد بعد مرور هذا الزمن الطويل؟ نعم، يعني نحن نجد روايات تقشعرّ منها الجلود، هذه الروايات لا يمكن أن نقول بأنها ثابتة من بين الروايات؛ يعني ما جاء في البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه يُنكر كون المعوّذتين من القرآن، يُنكر قرآنية المعوّذتين، الأمر يدور بين ثلاثة أشياء: بين أن يكون ذلك ثابتاً عن ابن مسعود، ومعنى ذلك أن ابن مسعود وقع في الكفر، حاشاه عن ذلك، أو أن يكون ذلك ثابتاً عن ابن مسعود، وهو في معناه صحيح، ومعنى ذلك التشكيك في القرآن، في كتاب الله سبحانه وتعالى، أو أن يكون هذا غير ثابت، أن تُردّ الرواية لعدم ثبوتها؛ لأنها معارِضة لما هو قطعي؛ فلما كانت معارِضة لما هو قطعي يقال بأن هذا باطل، ولا يجوز أن يُنسَب إلى ابن مسعود أن يخالف القطعي وأن يأتي بما يُكْفَر به والعياذ بالله. كذلك لو جئنا إلى الحديث الذي جاء من طريق أنس رضي الله تعالى عنه عند مسلم: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أُبلِغ عليه الصلاة والسلام عن رجلٍ أنه يواقع جاريته، فأمر على الفور عليّاً كرّم الله وجهه أن يقتله، فقال له بالفاء التي تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها، فقال لعلي: اذهب فاقتله، فجاء ووجده يتبرّد في رَكَا، وإذا بالرجل مَجْبوب، فكفَّ عن قتله لأجل ذلك. هنا الأمر يدور بين ثلاثة أشياء أيضاً: إما أن تكون هذه الرواية ثابتة وهي حق، ومعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام يتصرّف تصرّف الجبّارين، حاشاه عليه أفضل الصلاة والسلام؛ إذ الأخذ بالظن، والأخذ بكلام السعاة لا يجوز. ثم مع هذا: النبي صلى الله عليه وسلم يُبعَد كل البعد أن يكون أغيَر على جاريته منه على حليلته السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد رُمِيَت وما تعجّل النبي صلى الله عليه وسلم، وما أمر بقتل مَن رُمِيَتْ به، وإنما أمسك عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فكيف يكون أغيَر على جارية منه على حليلته؟ ثم هذه الرواية بعد قصة الإفك، ولو كان رجلاً عادياً لكان له اعتبار في قصة الإفك، كيف لا يعتبر بما حدث في قصة الإفك؟ وكيف لا يعتبر؟ ومع هذا أيضاً هناك تحذير بالغ من الله سبحانه وتعالى، كيف لا يستفيد من هذا التحذير؟ كيف يتعدّى هذه الحدود؟ هل يمكن أن يتعدى الرسول صلى الله عليه وسلم حدود ما أنزل الله تعالى إليه وما أمره به؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 11-17]. الله تعالى يقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والنبي يقتحم هذا الأمر، مع أنه أولاً ما وقع هو في هذا الأمر، لكن يقع فيما وقع فيه الخائضون، ويصدّق كلام الخائضين، هذا من أَمْحَلِ المحال. أو أن يكون ذلك غير صحيح، كانت هذه الرواية باطلة فتُرَدّ، أو يُقال: بأن هذا حق، وإنما حاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقدِم عليه، كان حقاً، ولما كان حقاً فإذا هو من الحق أن تُسفَكَ دماء الناس بغير بيّنة وبغير هدى، كيف يصح هذا؟ وأما قول من قال من شُرّاح الحديث، من شُرّاح مسلم، بأن الرجل كان منافقاً، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فذلك يُرَدّ لأربعة اعتبارات: الاعتبار الأول: أن هذا لم تأتِ به رواية، ولم يثبت قط، وإنما هو من مجرد الافتئات في القول؛ لا دليل على أن الرجل كان منافقاً. ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يستحلّ دماء المنافقين، ما أمر بقتل المنافقين، ولو كان آمراً بقتل منافق لأمر بقتل عبد الله بن أُبيّ رأس النفاق، ما أمر بقتل هذا الضعيف الذي لا أثر له قط. الاعتبار الثالث: لو كان الأمر بقتله لأجل النفاق ما كان لعليٍّ كرّم الله وجهه أن يكفَّ عن قتله، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: 36]، فكيف أمسك؟ وكيف أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم إن النفاق لا فرق فيه بين مجبوبٍ وفحل، حكم النفاق واحد، فلو كان النفاق يبيح أن تُسفَكَ دماؤهم وأن يُقتلوا بسبب هذا النفاق، لما كان هناك وجه لتأخّره عن قتله. الأمر الآخر: أن سياق الرواية يدل؛ لأنه في العطف في الرواية فيها العطف بالفاء التي تقتضي الترتيب: فأمر علياً بقتله، أو فقال لعلي: اذهب فاقتله، هكذا الرواية في صحيح مسلم، بالفاء التي تفيد الترتيب، ومعنى ذلك أن الأمر بالقتل إنما هو مترتّب على هذه الإشاعة التي أُشيعت. هذه الرواية لا يمكن أن تُتقبّل. كذلك حديث رواه الحاكم وصحّحه، ووافقه الذهبي على تصحيحه: أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام في مرض وفاته أُصيب بإغماء، وظنّوا أنه أصيب بذات الجنب، فلَدُّوه عليه أفضل الصلاة والسلام، ولما أفاق وجد نفسه مَلْدوحاً، فسأل عن ذلك، فأخبر بأنهم ظنوا أن به ذات الجنب، ولذلك لَدّوه، فأمر أن يُلَدَّ كلُّ من حضر هناك إلا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه. هذا كلام عجيب؛ هل النبي صلى الله عليه وسلم يتصرف هذا التصرّف، تصرّف الجبّارين، مع أن الله تعالى وصفه بالخلق العظيم؟ مثل هذه الأمور لا بد من التيقظ لها والتنبه لها. فالروايات لا بد أولاً أن تُعرَض على القرآن، وأن تُعرَض على السنة، الروايات الآحادية أن تُعرَض على السنة المتواترة، وأن تُعرَض على الإجماع، وأن تُعرَض على مسوِّغات العقول، وكذلك بالنسبة إلى الحقائق العلمية التي لا شك فيها. نعم.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٧‏/٥‏/٢٠١٣👁 2 مشاهدة
🎬

فتاوى متنوعة - للشيخ أحمد الخليلي ليلة 20 جمادى الأولى 1434 هـ FULL HD

الحديث الشريف

✦ فتاوى مشابهة

رد الحديث لمخالفته العلم المادي

2 👁

هل يرد الحديث الصحيح إذا خالف مدلوله قوانين العلم المادي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/١٠‏/٢٠١٧

رد الحديث لمخالفته العلم المادي

0 👁

هل يرد الحديث الصحيح إذا خالف مدلوله قوانين العلم المادي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

نفي الأحاديث لصعوبة الفهم

4 👁

ما خطورة جرأة بعض الكاتبين في الشبكات على نفي أحاديث نبوية صحيحة لمجرد صعوبة فهمها أو إدراجها في سياق معين، وما سبيل التثبت في معاني هذه الأحاديث؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٥‏/٧‏/٢٠١٣

تعارض القرآن والسنة

3 👁

ما التوضيح في مسألة تعارض القرآن مع السنة، ومتى نعد الحديث معارضاً للنص القرآني فيجب رده وعدم العمل به؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

تصحيح أحاديث السلسلة

5 👁

هل جميع الأحاديث التي وُصفت بالصحيحة في بعض المجموعات الحديثية صحيحة فعلًا؟

👤سعيد بن مبروك القنوبي
١٩‏/٧‏/٢٠٢٠

منهج الحديث في السيرة

2 👁

هل يمكن إسقاط منهج أهل الحديث في نقد الأسانيد والمتون على الروايات التاريخية والسيرة النبوية، أم يكتفى بنقد المتن فقط حتى لا يسقط التاريخ كله؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٦‏/٦‏/٢٠٢٥