⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن القرآن من عند الله، والسنة النبوية الثابتة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام هي أيضًا من عند الله، وإن كانت صياغتها من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم ينطق بوحي الله الذي يوحيه إليه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، فالسنة النبوية هي من عند الله سبحانه وتعالى، والقرآن هو من عند الله، وإنما صياغة السنة النبوية من الرسول صلى الله عليه وسلم، بخلاف صياغة القرآن فإنها من عند الله سبحانه وتعالى.
لذلك يجب التسليم للكل، وإنما يُنظر في الفرق من حيث إن السنة النبوية قد تكون آحادية وقد تكون متواترة وقد تكون مشهورة، بينما القرآن الكريم كلّه متواتر من أوله إلى آخره، من فاتحته الفاتحة إلى خاتمته الناس، ليس هنالك حرف من حروف القرآن إلا وهو متواتر؛ فإن الأمة كلها تلقت القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ يتلقاه الجيل بعد الجيل إلى أن تقوم الساعة، يبقى هذا القرآن حجة قاطعة من حيث إنه ثابت، ولا خلاف في شيء من متنه قط، وإنما قد تكون حجته ظنية إذا كانت دلالته عامة مثلًا؛ لأن العام ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن.
أما السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فكما قلنا: فيها المتواتر، وفيها الآحادي، وفيها المشهور أو المستفيض كما يعبر البعض، ثم هناك روايات كثيرة دُسَّت في تضاعيف السنة النبوية ونُسِبَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم براء منها، لا يمكن أن تثبت عنه على أي حال من الأحوال.
هناك روايات يُنكرها العقل بمجرد ما يسمعها الإنسان، تأباها الفطرة ولا يمكن أن تتقبلها بحال من الأحوال، مثل الروايات التي فيها تشبيه الله سبحانه وتعالى بخلقه؛ فكم من رواية روج لها المشبِّهة من أجل الترويج لعقيدة التجسيم والتشبيه، وهذه بطبيعة الحال يرفضها العقل، على أنَّا لو رجعنا إلى أسانيدها لوجدنا أسانيدها مزعزعة نعم، مضعضعة، ولكن مع ذلك يتشبثون بها على أي حال من الأحوال، وهم الذين يُنْكِرون على من استدل بحديث فيه أدنى مقال في فضائل الأعمال، ومع ذلك يتجرؤون على الأخذ بهذه الروايات مع ما فيها من ضعف الأسانيد، ومع ما فيها من عدم قبول العقل والنقل الصحيح لها.
وسبق أكثر من مرة أن ذكرنا عن البغدادي أنه قال في كتاب «الفقيه والمتفقّه» بأن الحديث – والحديث الآحادي وإن صح سنده – يُرَدُّ للعديد من الاعتبارات:
أولها: أن يخالف القرآن الكريم؛ فإنه لا يُعقل أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا مما يخالف القرآن الكريم.
ثانيها: أن يكون مخالفًا لسنة متواترة عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فإن ثبوت المتواتر ثبوت قطعي، بينما الآحادي ثبوته ظني، فلا يؤخذ بالظن في مواجهة القطعي.
الأمر الثالث: أن يكون مخالفًا للإجماع؛ لأن مخالفة الإجماع لحديث النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن؛ إذ لا تجتمع الأمة إلا على ما هو حق، فلو كان هذا الحديث ثابتًا لما أمكن أن تجتمع الأمة على خلافه.
الأمر الرابع: كون ذلك الحديث مخالفًا للعقول؛ إذ لا يمكن أن يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم بما ينافي العقول السليمة.
الأمر الخامس: أن ينقل الواحد ما يجب أن يتضافر على نقله العدد الكثير من الناس؛ فإن ذلك مما يقتضي رد هذه الرواية؛ إذ لو كانت صحيحة لتظافر على نقلها العدد الكثير من الناس.
ويجب أن نعلم بأن النصوص القرآنية التي إن خالفتها الرواية رُدَّت الرواية هي النصوص التي لا يدخلها التخصيص، أو ليست هي من النصوص العامة التي يمكن أن تُخصَّص، كأن يكون الكلام كلامًا قطعيًا على قضية معينة؛ فإن ما كان قطعيًا لا يمكن أن يُخصَّص بحال من الأحوال، سواء كانت قَطْعِيَّتُه لأنه في ذاته كلام خاص، وذلك في خصوصيات القرآن الكريم، أو أن تكون قطعيته لأنه لا يحتمل أن يُرَدَّ عليه التخصيص.
فهناك أدلة من القرآن الكريم عامة، ولكنها مع عمومها ليست داخلة في القاعدة التي يُقال فيها بأن العام ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن؛ ذلك لأن متونها لا يمكن أن تُخصَّص بحال من الأحوال؛ فما يتعلق بصفات الله تعالى لا يمكن أن يُخصَّص، ما يتعلق بكمالات الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يُخصَّص بحال من الأحوال؛ كتنزيهه سبحانه وتعالى عن الولد، وتنزيهه عن الشريك، وتنزيهه عن الصاحبة، وتنزيهه عن الذل، وتنزيهه عن أي شيء من هذا القبيل، لا يمكن أن يُخصَّص ذلك بحال من الأحوال.
فلا يمكن أن يُخصَّص قول الله تعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ لأنه لو خُصِّص لكان معنى ذلك أن من الأشياء ما يجهله الله، وذلك يستحيل عقلًا ونقلًا أن يكون من الأشياء ما الله سبحانه وتعالى به جاهل، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، ومثل ذلك وصف الله تعالى بأنه على كل شيء قدير، ووصف الله سبحانه وتعالى بكل الكمالات، ويدخل في هذا كما قلنا نفي الشريك عنه، ونفي الصاحبة، ونفي الولد، ونفي الظلم، ونفي كل ما ينافي جلال الله تعالى وكبره؛ كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، فلا يمكن أن يستدل أحد برواية من الروايات على تخصيص هذا العموم؛ لأنه في ذاته قطعي، بسبب أنه لو اتخذ الله تعالى صاحبة أو ولدًا لكان ذلك ينافي وحدانيته تعالى، وينافي غناه عن كل شيء.
وكذلك قول الله تعالى: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فكل ذلك من العمومات التي هي قطعية الدلالة، فلا يمكن أن يَرِدَ عليها التخصيص بحال من الأحوال.
وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى في وصف نفسه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، لا يجوز أن يُخصَّص هذا العموم فيُنسب الظلم إلى الله تعالى بأي حال من الأحوال، إذ الله تبارك وتعالى متصف بالعدل، ومتَنَزِّه عن كل ما لا يليق بكبريائه، ويليق بعدله، ويليق بحكمته.
وهكذا، ومثل ذلك بعض الأدلة التي تتعلق بجانب الأحكام، كالتي أجمعت الأمة على الأخذ بعموماتها بحيث لم يقع هناك خلاف في أن عموماتها معتبرة، كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، فالإجماع واقع على أن كل أم محرمة على ابنها، لا يجوز لابن أن ينكح أمه بحال من الأحوال، سواء كانت حرة أو كانت أمة، أو كانت مؤمنة أو كانت فاجرة، أو على أي حال من الأحوال، لا يجوز لأي ابن أن ينكح أمه.
وكذلك ما تبع ذلك: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ إلى آخر الآية، كل ذلك يقتضي تحريم جميع هذه الأصناف من النساء على من حُرِّمْنَ عليهم، فلا يجوز نكاحهن لهم بأي حال من الأحوال، ولا يجوز تخصيص هذا العموم؛ لأن الأمة أجمعت برها وفاجرها، وعالمها وجاهلها، ومحقها ومبطلها، فهذا إجماع قطعي، لا يمكن أن يَرِدَ تخصيص لهذا العموم بنقيضه؛ ذلك دلالة العام التي تعززت بإجماع الأمة جميعًا.
وأما ما عدا ذلك، فإن كثيرًا من الأحكام تُخَصَّص بما يعتريها من التخصيص، سواء كان هذا التخصيص من الكتاب العزيز، أو كان هذا التخصيص من السنة النبوية، أو كان التخصيص حتى من القياس؛ فقد خصص علماء الأمة كثيرًا من الأدلة، منها قول الله سبحانه وتعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾، فإن التخصيص ورد على هذا بالإجماع، إذ ورد تخصيص هذا العموم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُنْكَحُ المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها، لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى»، فتخصيص هذا العموم إذًا أمر وارد.
وكذلك ما ورد من التحريم بالرضاع لغير من ذكرنا في النص، لغير الأمهات والأخوات، كتحريم العمة من الرضاع، وتحريم الخالة من الرضاع، وتحريم بنت الأخ من الرضاع، وتحريم بنت الأخت من الرضاع، وأمثال ذلك، فإن هذا مما يجب أن يُؤخذ فيه بالتخصيص.
ومثل ذلك ما جاء من تخصيص عموم قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، فإن هذا العموم خُصِّص بهذه المخصصات المتصلة أولًا، ثم مع ذلك خُصِّص بمخصصات منفصلة من القرآن الكريم، كتحريم الخمر، وتحريم صيد الصيد على المحرم، وكذلك وردت تخصيصات من السنة النبوية كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام»، ومثل ذلك نهيه عن أكل الحمر الأهلية.
فهذا مما يجب أن يكون مفهومًا؛ فلا ريب أن السنة النبوية تُخصِّص، ويجب على الناس أن يدركوا أن السنة النبوية وإن كانت آحادية، لكن إن كانت خاصة فإنها تقوى على تخصيص العام؛ إذ العبرة بالخصوص عندما يتعارض العام والخاص، سواء تقدم العام أو تأخر؛ لأن العام لا ينسخ الخاص، وإنما الخاص يخصص العام، فهذا من الأمور التي يجب أن يكون الناس على بالٍ منها.