مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

العلم القرآني والعلم الحديث

هل العلم في الاصطلاح المعاصر هو نفسه العلم الذي تحدث عنه القرآن الكريم والسنة النبوية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
العلم بالتعريف المتقدم، وهو العلم الوارد في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هو من أعلى مراتب المعرفة، ولذلك يوصف به الله تبارك وتعالى، وعلمه جل وعلا علم مطلق كامل محيط بكل شيء. لكن لأن المعرفة إنما تتحصل بالاكتساب والنظر والتدبر، فالمعرفة إدراك بنظرٍ وتفكر، فهي أخص من العلم، لا يوصف بها ربنا تبارك وتعالى. لكن في الاصطلاح المعاصر أصبحت المعرفة تُطلق على مصادر العلم، تُطلق على الدلائل والبراهين التي يتوصل بها هذا الإنسان إلى نفي الجهل؛ لأن نقيض العلم الجهل، فهذه الأدلة والبراهين متنوعة متعددة: منها ما هو دليل فطرة من البداية، ومنها ما هو دليل ضروري، ومنها ما يحصل بالاكتساب، وهو العلم النظري، بالبحث والتجربة. وقد حُصر الاستعمال المعاصر في «العلم» على ما يحصل بالتجربة والبحث والدراسة، مما تدركه الحواس، حُصر معنى العلم في واقعنا المعاصر في هذا النوع فقط، إلى هذا المعنى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه جُعل عند أرباب هذا المسلك المغالي من الملاحدة ومن المبتوتين عن مراشد وحي الله تبارك وتعالى وعن دينه جل وعلا المصدرَ الوحيد… أو أنهم رأوا أن هذه مكابرة، مكابرة فيها من الغلو ما لا يمكن إخفاؤه عن الناس، فانتقلوا إلى ما هو أقل من هذه المرتبة، وقالوا بأنه هناك مصادر أخرى، لكن «العلم التجريبي» هو في صدارتها، ولا تدانيه الحجج والبراهين. ما الذي نجده في كتاب الله عز وجل –حتى يبقى الموضوع متماسكًا عند المتلقي–؟ نجد أن مثل هذه الأطروحات تناولها كتاب الله عز وجل ونعى على أمثالها الذين يعطلون مصادر التعلُّم، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: 8]، هذه المعطوفات –متغايرة عند المفسرين– بل هي متغايرة، وكل كلمة منها، كل مصدر من مصادر التعلم، مقصودة، يُراد بها نوع من أنواع الحجج والبراهين. لنبين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ –وتكررت في موضعين في كتاب الله عز وجل– ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾؛ العلم الذي يُدرك بالحواس، العلم التجريبي القائم على البحث والنظر والدراسة والتأمل والفحص، ثم الوصول إلى الحقائق؛ هذا هو النوع الأول، فهؤلاء يجادلون دون ما دليل، دون اتباع للمنهج العلمي الذي يشير إليه قوله تبارك وتعالى «بغير علم». ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى﴾؛ الهدى يُراد به ملكات العقل، والعقل أيضًا في قواميس اللغة يُراد به الهيئة أو القوة أو الملكة التي تمكن الإنسان من إدراك المعقولات، ومن التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، ولذلك هو من الهدى؛ يعني الآية الكريمة قالت «هدى»؛ لأن بالهدى يستبين الحق من الباطل، يستبين الحسن من القبيح، يستبين الخير من الشر؛ والعتاب لهم دليل على أن ملكة الاهتداء مغروسة فيهم، ولذلك يعبر عنها كثير ممن كتب في التفسير –وهذا ما فعله صاحب «التحرير والتنوير» وفعله الرازي قبله– أطال النفس في أن المقصود بالهدى هنا ما يتحصل إليه بالعقل من وسائل الاهتداء إلى الخير والصلاح والحق، ومما يمكن أن يدركه العقل من المدركات المعقولات؛ إذًا هذا دليل العقل، مثاله ما يعبر عنه علماء الفلسفة بأن العقل هو العلم الضروري، كعلم الإنسان بأنه موجود، كاستحالة اجتماع النقائض، وأن الكل أكبر من الجزء؛ هذه تُدرك بالعقل، وهي في كثير من دوائر العلم الغربية اليوم أدرجوها في علم المنطق أو الفلسفة. ثم قال: ﴿وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾؛ الوحي، فالمقصود بالكتاب المنير هو بقايا مواريث النبوة مما أوحاه الله تبارك وتعالى إلى الأنبياء والرسل، وهذا مما ينبغي للمسلم أن يستصحبه؛ أن في صدارة مصادر التعلُّم والتلقي والمعرفة عنده وحيَ الله تبارك وتعالى؛ ليدرك به ما يتعلق بعالم الغيب، وما يتعلق بالمنقلب والمآل الذي يصير إليه، وما يحتاج إليه من التزامٍ أخلاقي، ومن تعاملٍ مع نواميس هذه الحياة تشريعًا وحقوقًا وواجبات؛ فإن ذلك لا يتحصل إلا بالوحي. إذا أردنا أن نستطرد قليلاً فقط، سؤال يعني يُعرض في هذه القضية، أن «الكتاب» ذُكر متأخرًا هنا، وتقدمُه في الترتيب في الموضعين له نكتة لطيفة قرآنية قد نتعرض لها في مناسبة أخرى حتى لا تخرج بنا… لأن الله عز وجل أيضًا في المقابل يعني نوعًا من أنواع… إذن الآن لو أردنا أن نلخِّص قلنا: العلم البَدِيهي –وهذا من الآية الأولى التي ذكرتها، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾– يقينًا ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾؛ ثم العلم الكسبي التجريبي في الحج والنمل، قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾؛ ما يتحصل إليه بالعقل بعد العلم، ثم الوحي. هناك نوع آخر من العلم، وهو التصديق بالأخبار وفحص هذه الأخبار؛ فالله تبارك وتعالى أيضًا نعى على المشركين –في موضعين– أنهم يعطلون ملكاتهم في الحقيقة ليظلوا في دائرة الجهل، فيقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف: 51]. ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض؛ لا يتحصل إلى إدراك حقيقة بدء الخلق إلا بالنظر في الآثار، لا بالنظر إلى الحدث نفسه؛ أخبار، والنظر في القرائن والعلامات والإشارات التي توصل إلى الحقائق. ولذلك لما نسب المشركون إلى الله تبارك وتعالى جل وعلا –وتنزه عما نسبوا إليه– من أن الملائكة بنات الله، قال: أَشَهِدُوا خلقهم؟ لأن هذا أمر لا يمكن أن يُدرك، لو تتبعوا الأدلة لاستحالة أن يصلوا إلى هذا الخطأ الذي وقعوا فيه؛ فيُعنى أنه لا مناص من إقامة الحجة عليهم أنهم لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف توصلوا إلى هذه النتيجة؟ لو تتبعوا الدليل وفحصوا القرائن والعلامات والإشارات… أن أطرحوا ما يتعلق بعالم الغيب، ما يتعلق بالوحي، فإنه ليس سبيل لهم إلى الوصول إلا أن يكونوا قد شهدوا، أأشهدوا خلقهم؟ ففي الموضعين نجد أن الله تبارك وتعالى –لهذا قال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [النمل: 69]، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: 101]– هذه وسيلة أخرى من وسائل التعلُّم يشيرنا إليها كتاب الله تبارك وتعالى. لكن الذي حصل اليوم هو أن مصطلح العلم حُصر في العلم التجريبي، ثم اتُّخذ –كما تفضلتم– معتقدًا يُكفَّر به؛ يُكَفَّر به المخالف، يُخرِجونَه من دائرة العلم، يُخرِجونَه من الدوائر الأكاديمية والجامعية والإعلامية والثقافية، ويُجَرِّدونه من الحضور الإعلامي، ومن الألقاب، ومن الترقيات العلمية؛ لأنهم اتخذوها معتقدًا جامحًا مُغالِيًا، في حين أنهم في ضلالٍ بيِّن… والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٩‏/١‏/٢٠٢٣👁 4 مشاهدة
🎬

العلم بين الموضوعية والأيدلوجيا 1 - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

سر اهتمام القرآن بالعلم

2 👁

ما سر اهتمام القرآن الكريم بالعلم، وكيف يعرَّف العلم في القرآن، ولماذا تُناط معرفة الحقائق بالرجوع إلى العلماء؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٩‏/١‏/٢٠٢٣

القرآن ومصادر المعرفة

2 👁

هل يمكن اعتبار القرآن دليلاً على مصادر المعرفة الثلاثة: الحسية والعقلية والنقلية، وما وجه ذلك؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٣‏/٦‏/٢٠٢١

القرآن والعلوم الحديثة

2 👁

ما سبب دوامة الجدل بين الفكر الإسلامي والمعارف الوافدة، وكيف تكون علاقة التدبر في القرآن بالعلوم الحديثة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٥‏/٥‏/٢٠١٩

أهمية العلم للمسلمين

2 👁

ما أهمية العلم عند المسلمين وكيف ينظرون إليه في صلاح معاشهم ومعادهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢١‏/١٠‏/٢٠١٨

أهمية العلم وآدابه

2 👁

ما أهمية العلم في الإسلام وما الآداب والأخلاق العامة لطالب العلم؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٢٣‏/١‏/٢٠٢١

أهمية العلم للمسلمين

2 👁

ما أهمية العلم والبحث العلمي عند المسلمين في صلاح معاشهم ومعادهم وكيف ينظر الإسلام إلى ذلك؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠