⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا باب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد؛ فإن العلم هو الطريق الموصل إلى التعرف على الحقائق التي يُنفى بها الجهل، باختصار شديد.
لكن أهمية العلم لا تخفى على أحد، فمن أجل ذلك اعتنى كتاب الله عز وجل بالعلم عناية كبيرة، وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، ودعا إلى التفكر والنظر، وأثنى على أهل العلم إيه ثناءً لا يخفى على أي أحد يطالع كتاب الله عز وجل.
بلغ من شأن العلم أن أول ما أوحاه الله تبارك وتعالى إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: 1-3]. وتكرر ذكر العلم وأدوات العلم كثيرًا في كتاب الله عز وجل، ويكفينا منها أن الله تبارك وتعالى أقسم بالقلم وبما يُسطر به ويُستعمل القلم، حينما قال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]، إلى آخر ما ورد في كتاب الله عز وجل.
ثم إذا نظرنا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأكد لنا أن هذا الدين دين علم؛ اهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعلم والتعليم، وبنشر العلم، وبتأسيس حضارة هذا الدين شريعة وخلقًا، وعلمًا ومعارف في كل وجوه الحياة، جعلها صلى الله عليه وسلم قائمة على العلم.
ما العلم الذي نتحدث عنه؟
العلم مصطلح اختلف في تعريفه، التعريف الجامع المانع؛ حتى إن كثيرًا من علماء اللغة يقولون بأنه لا حد للعلم، يعني لا تعريف، كلمة «حد» يراد بها عند علماء المنطق التعريف، لا يمكن تعريفه. السبب: لِمَ لا يمكن تعريفه، لم لا يمكن وضع حدٍّ جامع مانع له؟ أيضًا انقسموا إلى فريقين:
فريق يقول بأن ذلك لظهور العلم؛ لأنه مُدْرَك معلوم، فهو بيِّن ظاهر لا يحتاج إلى تعريف؛ معلومٌ مُدْرَكٌ لا تستدعي منا أن نجعل له حدًّا.
وفريق آخر يقول: إنما كان تعذر وضع حدٍّ للعلم لصعوبته وعسره.
طرفان ينقضان؛ ولذلك أَوْصَل بعضهم حدَّ العلم –أي التعريفات التي وُضعت للعلم– إلى أكثر من ألف تعريف، وحينما ينظر القارئ في هذه التعريفات سيجد أنها متقاربة، وأن بعضها –لا شك– أجود من بعض.
أقرب هذه التعريفات المنتشرة عند أهل العلم: أنه إدراك الشيء بحقيقته. أضاف بعضهم: إدراكًا جازمًا. ولذلك نجد عند علماء اللغة في عدد من معاجم اللغة أن العلم هو الإدراك الجازم المطابق للواقع؛ إذًا هو إدراك جازم مطابق للواقع. هذا لا يختلف عمن يقول بأنه «إدراك الشيء على حقيقته» أو «إدراك الشيء بحقيقته»، وبعضهم يضيف: «إدراك الشيء بحقيقته، أو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا».
وبعضهم يقول: هو «تصور الشيء على ما هو عليه»، يستبدل بكلمة «الإدراك» «التصور». وبعضهم يقول: هو «تصور المجهول تصورًا يقرب حقيقته إلى النفس».
هذه كلها تعريفات –كما قلت– تدور حول معنى مشترك، أو قدر مشترك من المعاني، يدور حول إدراك حقيقة أمرٍ مجهولٍ على النحو الموافق لحقيقته، إدراكٍ كان جازمًا، أو إدراكًا مطابقًا للواقع؛ هذا هو معنى العلم.
إذا أردنا الاستعمال القرآني نجد أن الله تبارك وتعالى ينعى على أولئك الذين لا يستعملون الملكات التي وهبهم الله تبارك وتعالى إياها في التعلم، في الوصول إلى حقائق العلم، وباللغة المعاصرة في البناء المعرفي المطلوب منهم. الله عز وجل يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، هذا في صلب ما نتحدث عنه؛ لأن هؤلاء من قوم موسى رأوا الآية التي أتاهم بها موسى عليه السلام وعاينوها، ولكنهم لمزوها بالسحر، وهو يكشف لنا القرآن الكريم أن ذلك ما فعلوه إلا جحودًا واستكبارًا وظلمًا وعلوًّا، وإلا فإن نفوسهم موقنة من حقيقة الإعجاز فيما أتاهم به موسى عليه السلام، وأنه من عند الله تبارك وتعالى، لا طاقة للبشر به؛ قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
هذا هو، هذه هي الأدلة منذ زمن موسى عليه السلام، وبعده الكهنة ومن يدعي المعرفة ويتسلط على عباد الله عز وجل، فإنه ينحو بالناس إلى مهاوي الجهل رغم أنفسهم؛ بالحقيقة، إلا أنه يستغني ويستكبر على هذه الحقيقة، فيتخذها معتقدًا، نسقًا فكريًّا، اجتماعيًّا، وسياسيًّا، وتاريخيًّا، وثقافيًّا، ليلوي به حقائق العلم التي تيقن بها، فيجحد بها، ويضل بها الناس عن الحق إلى أن يبعث الله تبارك وتعالى من الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من يراجع الكثير من العقائد والأحكام، ويهدي الناس إلى الصراط المستقيم.
والله تعالى أعلم.