⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب رحمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
نعم، أما بعد، فإن هذه القضية التي قدّمت لها وسألت عنها هي قضية بالغة الأهمية، ومكمن الجواب المباشر على هذا السؤال هو في ذات السؤال؛ فإن المنهج الذي قرّره لنا ربنا تبارك وتعالى ليتعامل الناس على أساسه، ولكي يتعايشوا وفقا لسننه ونواميسه، إنما هو مقرّر بكل وضوح وبيان في كتاب الله عز وجل، في القرآن العظيم؛ فالله تعالى ما أنزل كتابه إلا لكي يهدي الناس إلى الأسس والقواعد التي تمكنهم من أن تكون حياتهم محققة لغايات وجودهم من عبادة الله عز وجل، ومن تعارفهم وتعايشهم، ومن الحياة الطيبة التي ينشدون.
ولذلك وصف الله عز وجل كتابه بقوله: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، مما يعني أن معاملات الناس فيما بينهم، وعلاقات بعضهم ببعض لا تخضع للأذواق، ولا تخضع لموازين بشرية قاصرة، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تُطوَّع وفقا للمصالح والأهواء والشهوات، وإنما موازينها ومعاييرها ومبادئها مستمدة من هذا المنهج القرآني.
وقد قرر كتاب الله عز وجل كيف يمكن للناس أن يحيوا حياة طيبة هانئة يسودها السلام والمحبة والتعاطف والتراحم. نجد ذلك ليس فيما يتصل بالزواجر أو النواهي التي سميتموها بأنها مما يتصل بجانب التخلي، بل حتى فيما يتصل بالتحلي، بل جاءت أصالة لكي تبني خُلُق الإنسان، ولكي تصوغ شخصية هذا الإنسان لما يسمو به في درجات الكمال البشري.
وهذا من صميم دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما وصفها الله تعالى في كتابه حينما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2].
ولذلك فإن من صميم مقاصد هذا الدين الذي أكرم الله عز وجل به خاتم الأنبياء والمرسلين هو أن يزكو بأخلاق الناس، أن يسمو بأذواقهم، وأن يرتفع بطباعهم، وأن يعلي من شأن خُلُق هذا الإنسان وأدبه في تعامله مع غيره.
ولذلك نجد أوامر جاءت صريحة في كتاب الله عز وجل تبني هذا الخُلُق النبيل، وتؤسس لمعاملة مبنية على الحسنى وعلى التعامل بما يحقق العيش المشترك، وبما يحقق للناس أن يسودهم الوئام والتراحم. ولننتقل إلى بعض هذه الأسس الأصيلة من كتاب الله عز وجل، فنجد في القرآن العظيم أن الله سبحانه وتعالى يأمر عباده بقوله: ﴿قُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]؛ فيأمر عباده بأن يقولوا أحسن الأقوال فيما بينهم، لا لكي يسدّوا الأبواب أمام الشيطان حتى لا ينزغ بينهم، فتؤدي وسوسته إلى أن يحلّ الخصام والنزاع محل المحبة والوئام.
ويقول أيضا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وهذا تأسيس لمبدأ أصيل؛ لأن الله عز وجل أمر به عباده المخاطبين في تعاملهم مع كل الناس: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
وفي التعامل مع المختلف نجد أن الله تبارك وتعالى في أسمى عبارة وأوضح بيان يخاطب نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام ويخاطب أمته بقوله: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، ثم قال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
فيؤسَّس إلى أن التعامل حتى مع المختلف الذي يمكن أن تكون بينك وبينه عداوة، والذي يمكن أن يمثّل طرفا فيه الحسنة والطرف الآخر يمثّل السيئة، ومع ذلك يأتي التوجيه الرباني بقوله جل وعلا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ثم يبين العاقبة: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
في التعامل مع هذا الصنف من الناس نجد أن الله تعالى يُرسي للمسلمين في كتابه الكريم مبدأ العدالة والإنصاف من النفس، حينما يقول جل وعلا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]؛ فحتى مع العدو، مع البعيد البغيض، يأمر الله سبحانه وتعالى ألا تحملنا العداوة والبغضاء والشنآن الذي بيننا وبينه، ألا يحملنا ذلك إلى ظلمه وإلى الإجحاف في حقوقه. ولذلك قال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
وهذا المبدأ السامي العظيم لو أن الناس أخذوا به في واقع حياتهم اليوم لطابت حياتهم، واختفت الكثير من النزاعات والخلافات التي تتحول بعد ذلك إلى خصومات يصعب علاجها، ويمكن أن تتحول إلى حروب مدمرة.
ومع ذلك فإن هناك جملة أخرى من المبادئ القرآنية التي يرشدنا إليها ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم، مما يتصل بالمنهج القرآني الذي يرسِّ لنا ربنا في تعاملنا مع بعضنا البعض. من ذلك أيضا ما نجده في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]؛ فالله تعالى يبيّن أن هؤلاء الذين لم يصدر منهم ظلم، لا في الأنفس ولا بالإخراج من الديار، يأمر بالبر بهم والإقساط إليهم، ويبيّن أنه جل وعلا إنما يحب المقسطين الذين يبذلون القسط، أو يعاملون الناس بمبدأ العدالة والإنصاف من النفس قبل المطالبة بالنصف للنفس.
فهذه المبادئ التي يقرّرها لنا ربنا جل وعلا في هذه الآيات القرآنية وفي غيرها مما لا يخفى على الناس هي الخُلُق القرآني الذي أُمر المسلمون بأن يمتثلوه واقعا في حياتهم.
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الترجمان لهذه الأخلاق والمبادئ العظيمة؛ زكّت نفسه وسمت أخلاقه حتى وصفته السيدة عائشة رضوان الله تعالى عليها بقولها: كان خُلُقه القرآن. وما وصفته بهذا الوصف إلا لأنه تمثّل هذه المبادئ الخلقية وهذه القيم الإنسانية الرفيعة في تعامله مع سائر الناس.
وهذا ما نحتاج إليه اليوم في واقعنا: أن نعود إلى المنهج القرآني، وكما قلت، كما وصف الله عز وجل كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].
وأنا تتبعت الآيات المتصلة بالأخلاق، تتبّع طالب العلم النَّهِم الراغب في التعرف على ما تشتمل عليه من معانٍ ودلالات يحتاج إليها كل مسلم، فوجدت أنها من أيسر الآيات في كتاب الله عز وجل؛ ففهمها والتعامل معها وإدراك دلالاتها ومعانيها لا يحتاج إلى كبير عناء ولا إلى عميق فهم، لأنها واضحة بيِّنة في كتاب الله عز وجل.
تأتي في سياق القصص القرآني، تأتي في سياق الأوامر المباشرة، تأتي في سياق النواهي، تأتي في بيان صفات المؤمنين، حتى وجاءت بمبادئ إنسانية رفيعة تتناول الواقع، حينما يصف الله عز وجل عباده عباد الرحمن بقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72]، فحتى في تعاملهم، لأن من واقع حياة الناس أن يكون هناك لغو، وأن يكون هناك من يلغو، وأن يكون هناك لهو وفساد، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد بيّن منهج هؤلاء، منهج عباده الذين يمتثلون أوامره: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
وقال جل وعلا: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهَزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]. ماذا نفهم إذًا هذه الآية؟ هذه الآية كسابقتها، أو كما تشتمل عليه الآيات السابقة في التعامل مع من يكثر من اللغو أو من كان جاحدا يستهزئ بآيات الله تبارك وتعالى، فإن الله عز وجل ينهى عباده المؤمنين من الجلوس إليهم ومشاركتهم، حتى ولو بسماع استهزائهم وكفرانهم.
لكنهم إن خاضوا في حديث آخر فإن هذا الحكم الشرعي يرتفع؛ لم ينههم القرآن العظيم عن الجلوس معهم، وإنما نهاهم عن الجلوس معهم حال استهزائهم وكفرانهم بآيات الله تبارك وتعالى، أي بأحكام شرعه وبما يشتمل عليه دينه؛ فإذا انتقلوا إلى حديث غيره فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
وهذا ورد في سورة النساء، وورد تشريع مثله أيضا في سورة الأنعام.